الآية (4-6): يقول تعالى: وإن يكذبك -يا محمد- هؤلاء المشركون بالله، ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة؛ فإنهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم، ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ أي: وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي: المعاد كائن لا محالة ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ أي: العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم، فلا تَتَلَهّوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية، ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ هو الشيطان؛ قاله ابن عباس. أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته؛ فإنه غرَّار كذَّاب أفاك، وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: ﱡﭐ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﱠ [لقمان: 33]. ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ أي: هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به ﴿ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ أي: إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين، وهذه كقوله عن إبليس: ﱡﭐ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﱠ [الكهف: 50].
الآية (7-8): لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد؛ لأنهم أطاعوا الشيطان وعَصَوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله ورسله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ أي: لما كان منهم من ذنب، ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ على ما عملوه من خير. ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ يعني: كالكفار والفجار؛ يعملون أعمالًا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟! لا حيلة لك فيه ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: بقدره كان ذلك. ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ أي: لا تأسف على ذلك؛ فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التام. ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾.
الآية (9-10): كثيرًا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها، ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك؛ فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها ﴿ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج:5]، كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها أنزل من تحت العرش مطرًا يعم الأرض جميعًا، فتنبت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض؛ ولهذا جاء في الصحيح: «كل ابن آدم يبلى إلا عَجْبُ الذنب، منه خُلق ومنه يُرَكَّب» [رواه مسلم]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ ﴾. وقوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ أي: من كان يحب أن يكون عزيزًا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله؛ فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء:139].
قوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ يعني: الذكر والتلاوة والدعاء. ﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ قال ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله يُصعد به إلى الله عز وجل ، والعمل الصالح: أداء الفريضة. ومَن ذكَر الله ولم يؤدّ فرائضه رُدّ كلامه على عمله، فكان أولى به. وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب. ﴿ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: هم المراؤون بأعمالهم، يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بُغَضاء إلى الله عز وجل ، يراؤون بأعمالهم ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء:142]. وقال عبد الرحمن بن زيد: هم المشركون. الصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأَولى، ولهذا قال: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾ أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنُّهَى؛ فإنه ما أسرَّ عبد سريرةً إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسرَّ أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
الآية (11): ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ أي: ذكرًا وأنثى، لطفًا منه ورحمةً أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم لتسكنوا إليها. ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾ أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:59]. ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ أي: ما يعطى بعض النُّطَف من العمر الطويل يعلمه، وهو عنده في الكتاب الأول. ﴿ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ﴾ الضمير عائد على الجنس لا على العين؛ لأن العين: الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس. قال ابن جرير: وهذا كقولهم: «عندي ثوب ونصفه» أي: ونصف آخر. وعن ابن عباس يقول: ليس أحد قضيتُ له طول عُمُر وحياة، إلا وهو بالغ ما قدّرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قَضَيتُ له أنه قصير العمر والحياة ببالغ للعمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله: ﴿ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾، يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وقال قتادة: والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ أي: في بطن أمه يكتب له ذلك، لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره، وكل ذلك مكتوب لصاحبه، بالغٌ ما بلَغ. واختار ابن جرير القول الأول، وهو كما قال؛ عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن سرَّهُ أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسَأ له في أثره فلَيصِلْ رَحِمه» وقد رواه البخاري ومسلم.
﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته؛ فإن علمه شامل للجميع لا يخفى عليه شيء منها.