الآية (40-41): يخبر تعالى أنه يُقَرِّعُ المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل الملائكة، الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقرّبوهم إلى الله زُلفَى، فيقول للملائكة: ﴿ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾؟! أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟! كما قال في سورة الفرقان: ﴿ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ [الفرقان:17]، وكما يقول لعيسى عليه السلام: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ [المائدة:116].
وهكذا تقول الملائكة: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ أي: تعاليتَ وتقدست عن أن يكون معك إله ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ﴾ أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء.
﴿ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ﴾ يعنون: الشياطين؛ لأنهم هم الذين يزينون لهم عبادة الأوثان ويضلونهم ﴿ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ﴾ [النساء:117].
الآية (42): قال الله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾ أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان، التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكُرَبكم، اليوم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًا. ﴿ وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ وهم المشركون ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا.
الآية (43): يخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب؛ لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غَضَّةً طرية من لسان رسوله ﷺ ﴿ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ ﴾ يعنون أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل.
﴿ وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى ﴾ يعنون: القرآن، ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾.
الآية (44): قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ﴾ أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبيًا قبل محمد ﷺ، وقد كانوا يَوَدّون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أُنزل علينا كتاب، لكُنّا أهدى من غيرنا، فلما مَنَّ الله عليهم بذلك كذبوه وعاندوه وجحدوه.
الآية (45): ثم قال تعالى: ﴿ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي: من الأمم ﴿ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ ﴾ قال ابن عباس: أي من القوة في الدنيا. وكذا قال قتادة والسدّي وابن زيد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [الأحقاف:26]، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً ﴾ [غافر:82]، أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم لما كذبوا رسله.
ولهذا قال: ﴿ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: كيف كان نكالي وعقابي وانتصاري لرسلي؟!
الآية (46): يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: ﴿ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾ أي: إنما آمركم بواحدة، وهي: ﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ أي: تقوموا قيامًا خالصًا لله، من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضًا: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضًا ﴿ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ﴾ أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ، ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾. هذا معنى ما ذكره مجاهد وقتادة وغيرهم، وهذا هو المراد من الآية.
وقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ عن ابن عباس قال: صَعدَ النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: «يا صباحاه». فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يُصبِّحُكم أو يُمَسّيكم، أما كنتم تصدقوني؟» قالوا: بلى. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبًا لك! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد:1] [رواه البخاري]. وعن بريدة رضي الله عنه قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ يومًا فنادى ثلاث مرات، فقال: «أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟» قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم. قال ﷺ: «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوًّا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيها الناس [أُتِيتُمْ]، أيها الناس [أُتِيتُمْ]» ثلاث مرات [رواه أحمد، وصححه شعيب الأرنؤوط].
الآية (47): يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ﴾ أي: لا أريد منكم جُعلًا ولا عطاءً على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله، ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾ أي: إنما أطلب ثواب ذلك عند الله ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ أي: عالم بجميع الأمور، بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم، وما أنتم عليه.
الآية (48): قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [غافر:15]. أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض.