حجم الخط:

الآيات (40-60)

الآية (40-48): اجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ، ولم يقولوا: نَتَّبِع الحقَّ سواءً كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم.

﴿ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ أي: إلى مجلس فرعون وقد ضَرَبَ له وطَاقًا، وجَمَع حَشَمَه وخَدَمه وأمراءه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السَّحرة بين يدي فرعون، يطلبون منه الإحسان إليهم والتَّقَرُّب إليه إن غَلَبُوا، أي هذا الذي جَمَعْتَنا من أَجْلِه، فقالوا: ﴿ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴿٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي: وأَخَصُّ ممَّا تَطلبون أَجْعَلكم من الـمُقَرَّبِين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴿٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا [طه:65-66]، وقد اختصر هذا ههنا. فقال لهم موسى: ﴿ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴿٤٣ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ، وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فَعَلُوا شيئًا: هذا بثواب فلان. وقد ذَكَر الله في «سورة الأعراف»: أنهم ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، وقال في «سورة طه»: ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ﴿٦٦ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ ﴿٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ ﴿٦٨ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ [طه:66-69]. وقال ههنا: ﴿ فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ أي: تَخْتَطِفُهُ وتَجْمَعُه من كل بُقْعَة وتَبْتَلعه فلم تَدَع منه شيئًا، قال تعالى: ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١١٨ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴿١١٩ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿١٢٠ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٢١ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ [الأعراف:118-122] وكان هذا أمرًا عظيمًا جدًا، وبرهانًا قاطعًا للعذر وحجةً دامغةً؛ وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يَغلِبوا، قد غُلِبُوا وخَضَعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسَجَدُوا لله رب العالمين، الذي أَرسَل موسى وهارون بالحقِّ وبالمعجزة الباهرة، فَغُلِب فرعون غَلبًا لم يُشَاهِد العالم مثله، وكان وَقِحًا جريئًا، عليه لعنة الله، فعَدَل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فَشَرَع يَتَهَدَّدُهُم ويَتَوَعَّدُهُم، ويقول: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه:71]، وقال: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:123].

الآية (49-51): تَهَدَّدهم فلم ينفع ذلك فيهم، وتَوَعَّدهم فما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا؛ وذلك أنه قد كُشِفَ عن قلوبهم حجاب الكفر، وظَهَر لهم الحق بعِلْمِهم ما جَهِلَ قومهم من أن هذا الذي جاء به موسى لا يَصدُر عن بَشَر إلا أن يكون الله قد أَيَّدَه به، وجَعَله له حجةً ودلالةً على صِدْق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لَـمَّا قال لهم فرعون: ﴿ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ؟! أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليَّ في ذلك، فإن أَذِنْتُ لكم فَعَلْتم، وإن مَنَعْتُكُمُ امْتَنَعْتم، فإني أنا الحاكم الْـمُطَاعُ. ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وهذه مكابرة يَعلَم كلُّ أحد بُطلانها؛ فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟! هذا لا يقوله عاقل. ثم تَوَعَّدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصَّلْب، فقالوا: ﴿ لَا ضَيْرَ أي: لا حَرَج ولا يَضُرُّنا ذلك، ولا نُبَالي به.

﴿ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ أي: المرجع إلى الله، وهو لا يُضِيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخفى عليه ما فَعَلْتَ بنا، وسيجزينا على ذلك أَتَمَّ الجزاء؛ ولهذا قالوا: ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، ﴿ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ أي: بسبب أنَّا بادرنا قومَنا من القِبط إلى الإيمان. فقَتَلَهم كُلَّهم.

الآية (52-59): لَـمَّا طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر، وأقام بها حُجَج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبقَ لهم إلا العذاب والنَّكال، فأَمَرَ الله موسى عليه السلام أن يَخْرُجَ ببني إسرائيل ليلًا من مصر، وأن يَمضِيَ بهم حيث يُؤْمَر، ففَعَل موسى عليه السلام ما أَمَرَه به ربُّه عز وجل ؛ خَرَج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليًّا كثيرًا. وأن موسى عليه السلام سأل عن قبر يوسف عليه السلام فدَلَّتْه امرأةٌ عجوزٌ من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه -عليهما السلام- وكان يوسف قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم [رواه ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني]. فلمَّا أصبحوا وليس في ناديهم داعٍ ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتدَّ غَضَبُه على بني إسرائيل؛ لِـمَا يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعًا في بلاده حاشرين، أي: من يحشر الجُندَ ويجمعه، كالنُّقبَاء والحُجَّاب، ونادى فيهم: ﴿ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يعني: بني إسرائيل ﴿ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ أي: لَطائفةٌ قليلة ﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ أي: كل وقت يَصِل لنا منهم ما يَغِيظُنَا، ﴿ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ أي: نحن كل وقت نَحْذَر من غائلتهم، وإني أُرِيد أن أستأصل شَأْفَتَهم، وأُبِيدَ خَضْراءهم. فجُوزِيَ في نفسه وجُنْدِه بما أراد لهم؛ قال الله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿٥٧ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ فخَرَجُوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتَركُوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والـمُلْك والجاه الوافر في الدنيا.

﴿ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا الآية [الأعراف:137]، وقال: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5].

الآية (60): ذكر غير واحد من المفسرين: أن فرعون خَرَجَ في محفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أُولي الـحَلِّ والعَقْد والدُّوَل من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، ﴿ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها.