الآية (42-44): ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ أي: الباطل ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ أي: الحرام، وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد؛ أي: ومن كانت هذه صفته كيف يُطَهِّر الله قلبه؟! وأنى يستجيب له؟! ثم قال لنبيّه: ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ ﴾ أي: يتحاكمون إليك ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ﴾ أي: فلا عليك ألا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما يوافق أهواءهم. قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمَة، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني: هي منسوخة بقوله: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة:49].
قوله: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلَمةً خارجين عن طريق العدل ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾. ثم قال تعالى منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم؛ فقال: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ ﴾. ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ﴿ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾ أي: وكذلك الربانيون منهم وهم العُبَّاد العلماء، والأحبار وهم العلماء ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أُمِرُوا أن يُظهِرُوه ويعملوا به ﴿ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ أي: لا تخافوا منهم وخافوا مني ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾.
سبب آخر لنزول هذه الآيات الكريمات[1]: عن ابن عباس قال: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قَهَرَت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وَسْقًا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وَسْق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ، فقَتَلَتْ الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وَسْق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيَّين قطّ دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟! إنما أعطيناكم هذا ضَيمًا منكم لنا، وفَرَقًا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهم، فدَسُّوا إلى رسول الله ﷺ ناسًا من المنافقين ليَخْبُروا لهم رأي رسول الله ﷺ، فلما جاءوا رسول الله ﷺ أَخبَر الله رسوله ﷺ بأمرهم كلّه وما أرادوا، فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ إلى قوله: ﴿ الْفَاسِقُونَ ﴾، ففيهم -والله- أنزل، وإياهم عنى الله عز وجل. [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وهكذا قال قتادة، ومُقاتل بن حَيَّان، وابن زيد وغير واحد. وقد رُويَ عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا. وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ إلى آخرها، وهذا يقوِّي أن سبب النزول قضية القصاص، والله سبحانه وتعالى أعلم. ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ قال البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب، زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة. قال السُّدي: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ ﴾ بما أنزلتُ فتركه عمدًا، أو جارَ وهو يعلم، فهو من الكافرين. وقال ابن عباس: من جَحَدَ ما أنزل الله فقد كَفَر، ومن أقرَّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير. ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب. وقال الشعبي: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، قال: هذا في المسلمين، ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال: هذا في اليهود، ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ قال: هذا في النصارى. وعن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ ﴾ الآية، قال: هي به كفر. قال ابن طاووس: وليس كمن كَفَرَ بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عطاء: كُفْرٌ دون كُفْرٍ، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير. وعن ابن عباس: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.
الآية (45): وهذا أيضًا مما وُبّخَتْ به اليهود وقُرِّعوا عليه؛ فإن عندهم في نصِّ التوراة: أن النفس بالنفس. وهم يخالفون حكم ذلك عمدًا وعنادًا، ويُقِيْدُون النَّضْرِيَّ من الْقُرَظِيِّ، ولا يُقيدون الْقُرَظِيَّ من النَّضْرِيِّ، بل يعدلون إلى الدية! كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رَجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار! ولهذا قال هناك: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال ههنا: ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدَّوْا بعضهم على بعض. وقوله: ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ قال ابن عباس: تُقتَل النفس بالنفس، وتُفقَأ العين بالعين، ويُقطَع الأنف بالأنف، وتُنزَع السن بالسن، وتُقتَص الجراح بالجراح. فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم، إذا كان عمدًا في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدًا، في النفس وما دون النفس. وقوله: ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾ قال ابن عباس: فمن تَصَدَّقَ به فهو كفارة للجارح، وأجر المجروح على الله عز وجل. وقوله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾، قد تقدَّم عن طاووس وعطاء أنهما قالا: كُفْرٌ دون كُفْر، وظُلمٌ دون ظلم، وفِسْقٌ دون فِسْق.