حجم الخط:

الآيات (43-52)

الآية (43-45): ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه. ولما دُعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عُوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة إذا تجلى الرب عز وجل فسجد له المؤمنون، لا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجُد، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خَرَّ لقفاه، عكس السجود، كما كانوا في الدنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون.

﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ يعني: القرآن. وهذا تهديد شديد، أي: دعني وإياه مني ومنه، أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمُدُّه في غيّه وأنظره ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة؛ كما قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55-56]، وقال: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ [الأنعام:44]. ولهذا قال ههنا: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: وأؤخرهم وأُنظِرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذَّب رسلي، واجترأ على معصيتي. وفي الصحيحين عن رسول الله أنه قال: «إن الله ليُمْلي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه». ثم قرأ: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

الآية (46-47): ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴿٤٦ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ تقدم تفسيرهما في سورة «الطور»[1]. والمعنى في ذلك: أنك يا محمد تدعوهم إلى الله عز وجل، بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله عز وجل، وهم يُكَذِّبون بما جئتهم به، بمجرد الجهل والكفر والعناد.

الآية (48-50): يقول: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم؛ فإن الله سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، ﴿ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ يعني: ذا النون، وهو يونس بن متّى عليه السلام، حين ذهب مُغَاضِبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير، الذي لا يُرَدّ ما أنفذَه من التقدير، فحينئذ نادى في الظلمات: ﴿ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]. ﴿ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ قال ابن عباس ومجاهد والسدي: وهو مغموم. وقال عطاء الخراساني: مكروب. وعن عبد الله قال: قال رسول الله : «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» [رواه البخاري].

الآية (51-52): ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ قال ابن عباس ومجاهد: لَيَنفُذونك بأبصارهم، أي: يعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق، بأمر الله عز وجل؛ كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة: عن ابن عباس عن النبي قال: «العين حق، ولو كان شيء سابق القَدَر سَبَقَت العين، وإذا استُغْسِلتم فاغسلوا» [رواه مسلم]. وعن ابن عباس قال: كان رسول الله يُعَوِّذ الحسن والحسين، يقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهَامَّة، ومن كل عين لامَّة» [رواه البخاري]. وعن أبي سعيد: أن جبريل أتى رسول الله فقال: اشتكيتَ يا محمد؟ قال: «نعم». قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين، يشفيك، باسم الله أرقيك [رواه مسلم وأحمد واللفظ له]. ﴿ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ أي: يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم، ويقولون: ﴿ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ أي: لمجيئه بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ .