الآية (43-44): ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ﴾ قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم. ﴿ رَحْمَةً مِنَّا ﴾ أي: به، على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته، ﴿ وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ أي: لذوي العقول، ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة. ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ﴾ وذلك أن أيوب عليه السلام كان قد غضب على زوجته، ووَجَد عليها في أمرٍ فعَلَتْهُ. قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة. وقيل: لغير ذلك من الأسباب. فلما شفاه الله وعافاه، ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تُقابَل بالضرب، فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثًا -وهو: الشِّمراخ[1]- فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد بَرّت يمينه، وخرج من حنثه ووفى بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ أي: رَجَّاع منيب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق:2-3].
الآية (45): يقول تعالى مخبرًا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ﴾ يعني بذلك: العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة. قال ابن عباس: ﴿ أُولِي الْأَيْدِي ﴾ يقول: أولي القوة ﴿ وَالْأَبْصَارِ ﴾ يقول: الفقه في الدين. وقال مجاهد: ﴿ أُولِي الْأَيْدِي ﴾ يعني: القوة في طاعة الله ﴿ وَالْأَبْصَارِ ﴾ يعني: البصر في الحق. وقال قتادة والسدي: أعطُوا قوة في العبادة وبَصرًا في الدين.
الآية (46-48): قوله: ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾ قال مجاهد: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمٌّ غيرها. وقال مالك ابن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها، وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها. وقال سعيد بن جُبَيْر: يعني بالدار: الجنة، يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها، وقال في رواية أخرى: ﴿ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾ عقبى الدار. وقال قتادة: كانوا يُذَكّرون الناس الدار الآخرة والعمل لها. وقال ابن زيد: جعل لهم خاصةً أفضل شيء في الدار الآخرة. ﴿ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار مختارون. ﴿ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ﴾ قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة «الأنبياء» بما أغنى عن إعادته ههنا.
الآية (49-53): ﴿ هَٰذَا ذِكْرٌ ﴾ أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر. وقال السُّدي: يعني القرآن. ثم يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة ﴿ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ وهو: المرجع والمنقلب. ثم فسره بقوله: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ أي: جنات إقامة ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴾ أي: إذا جاؤوها فتحت لهم أبوابها. ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا ﴾ قيل: متربعين فيها على سُرر تحت الحجال ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا، وحضر كما أرادوا ﴿ وَشَرَابٍ ﴾ أي: من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام ﴿ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ﴾ [الواقعة:18]. ﴿ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ﴾ أي: عن غير أزواجهن، فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ﴿ أَتْرَابٌ ﴾ أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد.
﴿ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين، التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.
الآية (54): ثم أخبر تعالى عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء، فقال: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل:96]، وكقوله: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود:108]، وكقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [فصلت:8] أي: غير مقطوع، والآيات في هذا كثيرة جدًا.
الآية (55-60): لما ذكر تعالى مآل السعداء، ثَنّى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم، فقال عز وجل: ﴿ هَٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ وهم: الخارجون عن طاعة الله، المخالفون لرسل الله ﴿ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسّره بقوله: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ﴾ أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم، ﴿ فَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٥٦﴾ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغَسَّاق فهو: ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم؛ ولهذا قال: ﴿ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾ أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها. وقال الحسن البصري في قوله: ﴿ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ﴾: ألوان من العذاب. وقال غيره: كالزمهرير، والسموم، وشرب الحميم، وأكل الزقوم، والصعود والهوى، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة والمتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه. ﴿ هَٰذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ ﴾ هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ [الأعراف:38]، يعني: بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى، إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: ﴿ هَٰذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ ﴾ أي: داخل معكم، ﴿ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ ﴾ أي: لأنهم من أهل جهنم ﴿ قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ ﴾ أي: فيقول لهم الداخلون: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ﴾ أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير، ﴿ فَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير.
الآية (61): ﴿ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ﴾ كما قال عز وجل: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف:38]، أي: لكل منكم عذاب بحسبه.