الآية (43-45): ﴿ هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾ أي: هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها ها هي حاضرة تشاهدونها عِيَانًا، يُقَال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتصغيرًا وتحقيرًا.
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ أي: تارةً يُعَذَّبُون في الجحيم، وتارةً يُسْقَوْن من الحميم، وهو شراب كالنحاس الـمُذَابِ، يُقَطِّعُ الأمعاء والأحشاء. وقوله: ﴿ آنٍ ﴾ أي: حارّ وقد بَلَغ الغاية في الحرارة، لا يُسْتَطَاع من شدة ذلك. قال ابن عباس: قد انتهى غَلْيُه، واشتدَّ حَرُّه. وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن والثوري والسُّدِّي، وهي كالتي يقول الله تعالى: ﴿ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ [غافر:72]. ولَـمَّا كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عذابه وبأسه ممَّا يَزْجُرُهم عمَّا هم فيه من الشِّرْك والمعاصي وغير ذلك، قال مُـمْتَنًّا بذلك على بَرِيَّتِه: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
الآية (46-53): ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ قال ابن شَوْذب وعطاء الخراساني: نَزَلَتْ في أبي بكر الصديق. والصحيح أن هذه الآية عامَّة كما قاله ابن عباس وغيره؛ يقول تعالى: ولمن خاف مقامه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، ﴿ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴾ [النازعات:40]، ولم يَطْغَ، ولا آثَرَ الدنيا، وعَلِمَ أن الآخرة خير وأبقى، فأدَّى فرائض الله، واجتنب محارمه؛ فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما روي عن عبد الله ابن قيس أن رسول الله ﷺ قال: «جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عَدْن» [متفق عليه]. وهذه الآية عامَّة في الإنس والجن، فهي من أَدَلِّ دليل على أن الـجِنَّ يدخلون الـجَنَّة إذا آمنوا واتَّقوا؛ ولهذا امتنَّ الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾. ثم نَعَتَ هاتين الجنَّتين فقال: ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾ أي: أغصان نَضِرَة حَسَنَة، تَحْمِل من كل ثمرة نَضِيجة فائقة، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾. هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة. وعن ابن عباس: ذواتا ألوان. ومعنى هذا القول أن فيهما فنونًا من الملاذِّ، واختاره ابن جرير. وقال عطاء: كل غُصْن يجمع فنونًا من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس: واسعتا الفناء. وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا منافاةَ بينها، والله أعلم. ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ أي: تَسْرَحَان لسَقْي تلك الأشجار والأغصان فتُثْمِر من جميع الألوان، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
ولهذا قال بعد هذا: ﴿ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾ أي: من جميع أنواع الثمار ممَّا يعلمون وخيرًا ممَّا يعلمون، وممَّا لا عين رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلب بَشَر، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾؟!
قال ابن عباس: ليس في الدنيا ممَّا في الآخرة إلا الأسماء؛ يعني: أن بين ذلك بَونًا عظيمًا، وفرقًا بَيِّنًا في التفاضل.
الآية (54-61): ﴿ مُتَّكِئِينَ ﴾ يعني: أهل الجنة. والمراد بالاتكاء ههنا: الاضطجاع. ويُقَال: الجلوس على صفة التَّرَبُّعِ. ﴿ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ وهو: ما غَلُظَ من الديباج. قاله عكرمة والضحاك وقتادة. وقال الـجَوْني: هو الديباج الـمُزَيَّن بالذَّهَب. فنَبـَّه على شَرَف الظِّهَارَة بشَرَف البِطَانَة. وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى. وعن ابن مسعود قال: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر؟!
﴿ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ أي: ثمرها قريب إليهم، متى شاؤوا تناولوه، على أي صفة كانوا؛ كما قال: ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴾ [الإنسان:14] أي: لا تمتنع ممَّن تناولها، بل تَنْحَطُّ إليه من أغصانها، ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
ولَـمَّا ذَكَر الفُرُش وعَظَمَتَها قال بعد ذلك: ﴿ فِيهِنَّ ﴾ أي: في الفُرُش ﴿ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ﴾ أي غَضِيضَاتٌ عن غير أزواجهن، فلا يَرَيْنَ شيئًا أحسن في الجنة من أزواجهن. قاله ابن عباس وقتادة وعطاء الخراساني وابن زيد. ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ أي: بل هُنَّ أبكار عُرُبٌ أَتْرَاب، لم يَطَأْهُنَّ أحد قبل أزواجهن من الإنس والجنِّ. وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجنِّ الـجَنَّة. سئل ضَمْرَةُ بن حبيب: هل يدخل الجنُّ الـجَنَّة؟ قال: نعم، ويَنْكِحُون، للجِنِّ جِنِّـيَّات، وللإنس إنسيَّات؛ وذلك قوله: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴿٥٦﴾ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
ثم قال يَنْعَتُهُنَّ لِلخُطَّاب: ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: في صَفَاء الياقوت وبَيَاض الـمَرْجَان. فجَعَلُوا المرجان ههنا اللؤلؤ.
وقوله: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ أي: ما لمن أحسن في الدنيا العملَ إلا الإحسان إليه في الدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس:26]. ولَـمَّا كان في الذي ذُكِرَ نِعَمٌ عظيمة لا يُقَاوِمُها عَمَل، بل مُجَرَّد تَفَضُّل وامتنان؛ قال بعد ذلك كُلِّه: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾.
الآية (62-69): هاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن: ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ فالأُولَيَان للمقرَّبين، والأُخْرَيَان لأصحاب اليمين. قال ابن زيد: ومن دونهما في الفضل، والدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه: أحدها: أنه نعت الأوليين قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء ثم قال: ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾. وهذا ظاهر في شرف التقدم وعلوه على الثاني.
وقال هناك: ﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ﴾: وهي الأغصان أو الفنون في الملاذ، وقال ههنا: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ أي: سوداوان من شِدَّة الرِّيِّ من الماء. قال ابن عباس: قد اسودتا من الخضرة، من شِدَّة الرِّيِّ من الماء. ولا شَكَّ في نضارة الأغصان على الأشجار الـمُشَبَّكَة بعضها في بعض.
وقال هناك: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾، وقال ههنا: ﴿ نَضَّاخَتَانِ ﴾ قال ابن عباس: أي فيَّاضَتَان، والجري أقوى من النضخ. وقال الضحاك: ممتلئتان لا تنقطعان.
وقال هناك: ﴿ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾، وقال ههنا: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ ولا شك أن الأولى أعَمُّ وأكثر في الأفراد والتنويع على: ﴿ فَاكِهَةٌ ﴾، وهي نكرة في سياق الإثبات لا تَعُمُّ؛ ولهذا فُسِّرَ قوله: ﴿ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ من باب عَطْف الخاصِّ على العام، كما قَرَّرَهُ البخاري وغيره، وإنما أَفْرَدَ النَّخْل والرُّمَّان بالذِّكْر لشَرَفِهما على غيرهما.