الآية (44-47): يقول تعالى مُنَـبِّهًا على برهان نبوة محمد ﷺ حيث أَخبَر بالغيوب الماضية، خبرًا كأنَّ سامعه شاهدٌ ورَاءٍ لِما تقدَّم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئًا من الكتب، نَشَأَ بين قوم لا يعرفون شيئًا من ذلك، كما أنه لَـمَّا أَخبَره عن مريم وما كان من أَمْرها، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران:44]، أي: ما كنتَ حاضرًا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك كما قال –بعد قصة يوسف-:ﱡﭐ ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﱠ [يوسف: 102]. وقال ههنا: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ ﴾ يعني: يا محمد، ما كنت بجانب الجبل الغربي الذي كَلَّمَ الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي، ﴿ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك، ليجعله حجةً وبرهانًا على قرون قد تطاول عهدها، ونَسُوا حُجَج الله عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء الـمُتَقَدِّمِين. ﴿ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ أي: وما كنت مقيمًا في أهل مَدْين تتلو عليهم آياتنا، حين أخْبرتَ عن نبيِّها شعيب، وما قال لقومه وما ردُّوا عليه. ﴿ وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ أي: ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك للناس رسولاً.
﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ قال مقاتل: نادينا أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا، وقال قتادة: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ موسى. وهذا -والله أعلم- أَشْبَه بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ ﴾. ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أَخَصّ من ذلك، وهو النداء، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ ﴾ [الشعراء:10]، وقال: ﴿ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ [النازعات:16]، وقال: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾ [مريم:52].
وقوله: ﴿ وَلَٰكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي: ما كنتَ مشاهِدًا لشيء من ذلك، ولكن الله أوحاه إليك وأخبرك به، رحمةً منه لك وبالعباد بإرسالك إليهم؛ ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أي: لَعَلَّهم يهتدون بما جِئتَهم به من الله عز وجل.
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: وأرسلناك إليهم لتُقِيمَ عليهم الحجة ولتَقْطَعَ عُذْرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيَحْتَجُّوا بأنهم لم يَأتِهم رسولٌ ولا نذيرٌ، كما قال تعالى بعد ذِكْره إنزال كتابه المبارك، وهو القرآن: ﴿ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴿١٥٦﴾ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ [الأنعام:156-157]، وقال: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء:165]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة:19]، والآيات في هذا كثيرة.
الآية (48-50): يقول تعالى مخبرًا عن القوم الذين لو عَذَّبَهم قبل قيام الحجة عليهم لاحْتَجُّوا بأنهم لم يَأتِهم رسول: أنهم لَـمَّا جاءهم الحقُّ من عنده على لسان محمد ﷺ، قالوا على وَجْه التَّعَنُّت والعناد والكفر والجهل والإلحاد: ﴿ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ الآية، يعنون -والله أعلم-: من الآيات الكثيرة، مثل العصا واليد، والطوفان والجراد والقُمَّلِ والضفادع والدَّم، وتنقيص الزروع والثمار، ممَّا يَضِيق على أعداء الله، وكفَلْقِ البحر وتظليل الغَمَام، وإنزال المنِّ والسلوى إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والـحُجَج القاهرة، التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام حُجَّة وبراهين له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم يَنْجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون؛ كما قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ﴾ [المؤمنون:48].
ولهذا قال ههنا: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: أَوَلَـمْ يَكْفُر البشر بما أُوتِيَ موسى من تلك الآيات العظيمة.
﴿ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ أي: تعاونا، ﴿ وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ﴾ أي: بكلٍّ منهما كافرون. قال مجاهد بن جَبْر: أَمَرَت اليهود قريشًا أن يقولوا لمحمد ﷺ ذَلك، فقال الله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ قَالُوا سَاحِرَان تَظَاهَرَا ﴾ قال: يعني موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم ﴿ تَظَاهَرَا ﴾ أي: تعاونا وتَنَاصَرا وصَدَّق كلٌّ منهما الآخر. وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رَزِين في قوله: ﴿ساحران﴾ يعنون: موسى وهارون. وهذا قول جيد قَويٌّ، والله أعلم.
وأمَّا من قَرَأَ ﴿ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ فقال ابن عباس: يعنون: التوراة والقرآن. قال السُّدي: يعني صَدَّق كل واحد منهما الآخر. وقال عكرمة: يعنون: التوراة والإنجيل. واختاره ابن جرير. والظاهر على قراءة: ﴿ سِحْرَانِ ﴾ أنهم يعنون: التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ ﴾، وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، وقد عُلِمَ بالضَّرُورة لذوي الألباب أن الله لم يُنْزِلْ كتابًا من السماء فيما أَنْزَلَ من الكتب المتعددة على أنبيائه أَكْمَل ولا أَشْمَل ولا أَفْصَح ولا أَعْظَم ولا أَشْرَف من الكتاب الذي أَنْزَلَ على محمد ﷺ، وهو القرآن، وبعده في الشَّرَف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران عليه السلام، والإنجيل إنما نَزَلَ مُتَمِّمًا للتوراة ومُحِلًّا لِبعض ما حُرِّم على بني إسرائيل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: فيما تُدَافِعُونَ به الحقَّ وتُعَارِضُونَ به من الباطل.
قال الله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾ أي: فإن لم يُجِيبُوك عمَّا قُلْتَ لهم ولم يَتَّبِعُوا الحقَّ ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: بلا دليل ولا حُجَّةٍ ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ أي: بغير حُجَّة مأخوذة من كتاب الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.