الآية (44): ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ﴾ الظاهر أن المراد ﴿ تَحِيَّتُهُمْ ﴾ أي: من الله تعالى ﴿ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ﴾ أي: يوم يسلم عليهم؛ كما قال: ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ [يس:58]. وزعم قتادة أن المراد أنهم يُحيّي بعضهم بعضًا بالسلام، يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. قلت: وقد يستدل بقوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس:10]. ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴾ يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
الآية (45-48): عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًا، وقلوبًا غُلفًا» [رواه البخاري]. ﴿ شَاهِدًا ﴾ أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة ﴿ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء:41]. ﴿ وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرًا للكافرين من وبيل العقاب. ﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، ﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ أي: وأمرُك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند. ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ أي: لا تطعهم وتسمع منهم في الذي يقولونه، ﴿ وَدَعْ أَذَاهُمْ ﴾ أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله؛ فإن فيه كفايةً لهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾.
الآية (49-50): هذه الآية الكريمة فيها أحكام، منها: إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. قوله: ﴿ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق. وقد استدل ابن عباس وجماعة بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح؛ لأن الله قال: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ فعقَّب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي وأحمد وطائفة كثيرة من السلف والخلف. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. فعندهما متى تزوجها طلقت منه. وعن ابن عباس قال: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ الآية. وقال رسول الله ﷺ: «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» [رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الألباني]. قوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طُلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها مَن شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها؛ فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضًا. ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ المتعة ههنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمى لها: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة:236]. عن سهل بن سعد وأبي أُسَيد؛ أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شَرَاحيل، فلما دخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسَيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رَازقيِّين [رواه البخاري]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ يقول تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مُهُورَهُنَّ، وهي الأجور ههنا. كما قاله مجاهد، وقد كان مَهْرهُ لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم، إلا أم حبيبة فإنه أمهرها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وإلا صفية فإنه اصطفاها من سَبْي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث أدّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها. ﴿ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ﴾ أي: وأباح لك التسرّي مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم، وكانتا من السراري. ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ هذا عدل وَسط بين الإفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فَرّطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت. ﴿ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ﴾ قال قتادة: المراد: من هاجر معه إلى المدينة. ﴿ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا ﴾ أي: ويحل لك -يأيها النبي- المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال عكرمة: أي: لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأةً وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئًا. أي: أنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل، فإنه متى دخل بها وجب لها عليه مهر مثلها. وقال قتادة: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي. ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ أي: مِنْ حَصْرِهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا من الإماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأُمَّة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئًا منه ﴿ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾.