حجم الخط:

الآيات (44-55)

الآية (44): ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا أي: أسوأُ حالًا من الأنعام السارحة؛ فإن تلك تَعقِل ما خُلِقَت له، وهؤلاء خُلِقُوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم.

الآية (45-47): شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادَّة، فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ؟ قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ﴿ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا أي: دائمًا لا يزول كما قال: ﱡﭐ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ [القصص: 71].

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لَـمَا عُرِف؛ فإن الضِّدَّ لا يُعرَف إلا بضِدِّه. وقال قتادة والسّدّي: دليلًا يَتلُوه ويَتبَعُه حتى يأتي عليه كله. ﴿ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا أي: الظِّل. وقيل: الشمس. ﴿ قَبْضًا يَسِيرًا أي: سهلًا. قال ابن عباس: سريعًا.

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا أي: يَلْبَسُ الوجودَ ويُغَشّيه ﴿ وَالنَّوْمَ سُبَاتًا أي: قَطْعًا للحَرَكة لراحة الأبدان؛ فإن الأعضاء والجوارح تَكِلُّ من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعايش، فإذا جاء الليل وسَكَنَ سَكَنَتِ الحركات، فاستراحت فحَصَل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معًا. ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا أي: ينتشر الناسُ فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم.

الآية (48-50): وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم؛ وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات، أي: بمجيء السحاب بعدها.

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا أي: آلة يتطهر بها؛ كالسَّحُور والوقود وما جرى مجراه. فهذا أصَحُّ ما يُقَال في ذلك.

﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا أي: أرضًا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء. فلمَّا جاءها الـحَيَا عاشت واكتست رُبَاها أنواع الأزاهير والألوان؛ كما قال: ﱡﭐ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: 5]. ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا أي: وليَشرَب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين إليه غايةَ الحاجة، لشُربهم وزروعهم وثمارهم.

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسُقْنا السحابَ فمَرَّ على الأرض وتَعَدَّاها وجاوزها إلى الأرض الأخرى فأمطرتها، والتي وراءها لم يَنزِل فيها قَطْرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة. قال ابن مسعود وابن عباس: ليس عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يُصَرِّفُهُ كيف يشاء. ﴿ لِيَذَّكَّرُوا أي: لِيَذَّكَّرُوا بإحياء الله الأرض الميتةَ أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرُّفَات. أو: لِيَذَّكَّرَ من مُنِع القَطْر أنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيُقلِع عمَّا هو فيه.

﴿ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا قال عكرمة: يعني الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ كما في الحديث: «قال ربكم: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر: فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بِنَوْء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب» [رواه مسلم].

الآية (51-54): ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا يدعوهم إلى الله عز وجل ، ولكنا خَصَصْناك -يا محمد- بِالبِعْثَة إلى جميع أهل الأرض، وأَمَرناك أن تُبَلِّغ الناس هذا القرآن، ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19]. وفي الصحيحين: «بُعثت إلى الأحمر والأسود»، وفيهما: «وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصةً، وبُعِثْت إلى الناس عامة»؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ، يعني: بالقرآن، قاله ابن عباس. ﴿ جِهَادًا كَبِيرًا كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73، التحريم:9].

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ أي: خَلَق الماءَيْن: الـحُلْوَ والـمِلْح؛ فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزُّلال، قاله ابن جريج واختاره ابن جرير. والله سبحانه إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه؛ فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم. ﴿ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ أي: مالحٌ مُرٌّ زُعَاقٌ لا يُسْتَسَاغ؛ وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزر؛ خَلَقَها الله سبحانه وتعالى مالحة الماء لئلا يَحصُل بسببها نتنُ الهواء، فيَفْسُد الوجود بذلك، ولئلا تُجوَى الأرض بما يَموت فيها من الحيوان.

﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا أي: بين العذب والمالح ﴿ بَرْزَخًا أي: حاجزًا، وهو اليبس من الأرض ﴿ وَحِجْرًا مَحْجُورًا أي: مانعًا أن يصل أحدهما إلى الآخر؛ كقوله تعالى: ﱡﭐ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ٢٠ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: 19- 21].

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا أي: خَلَق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسوَّاه وعَدَّله، وجَعَله كامل الخِلقة، ذَكَرًا أو أنثى، كما يشاء.

﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا فهو في ابتداء أَمْرِهِ وَلَدٌ نَسِيبٌ، ثم يتزوج فيصير صِهْرًا، ثم يصير له أَصْهَار وأُخْتَانٌ وَقَرَابات. وكلُّ ذلك من ماء مَهِين؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا .

الآية (55): يخبر تعالى عن جَهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام، التي لا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، بلا دليل قادَهُم إلى ذلك، ولا حجة أدَّتهم إليه، بل بمجرد الآراء، والتَّشَهِّي والأهواء، فهم يُوالُونهم ويقاتلون في سبيلهم، ويُعَادون الله ورسوله والمؤمنين فيهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا أي: عونًا في سبيل الشيطان على حِزْب الله، وحِزْبُ الله هم الغالبون. قال مجاهد: ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا قال: يُظَاهِر الشيطان على معصية الله؛ يُعِيْنه. وقال سعيد بن جُبَير: ﴿ ظَهِيرًا : عَونًا للشيطان على رَبِّه بالعداوة والشِّرك. وقال زيد بن أسلم: ﴿ ظَهِيرًا قال: مواليًا.