حجم الخط:

الآيات (45-55)

الآية (45-47): يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أَمْرِها مع نَبيِّها صالح عليه السلام حين بَعَثَه الله إليهم، فدَعَاهم إلى عبادة الله وحده لا شـريك له.

﴿ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قال مجاهد: مؤمن وكافر؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٧٥ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف:75-76].

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي: لم تَدْعُون بحُضُور العَذَاب، ولا تَطْلُبون من الله رحمته؟!

ولهذا قال: ﴿ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٤٦ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتَّبَعَك خيرًا؛ وذلك أنهم -لشقائهم- كان لا يُصِيبُ أحدًا منهم سُوْءٌ إلا قال: هذا من قِبَل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم.

وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن قوم فرعون: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131]. وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء:78] أي: بقضاء الله وقدره.

وقال مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس:18-19].

وقال هؤلاء: ﴿ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي: الله يُجَازِيكم على ذلك ﴿ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال قتادة: تُبْتَلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله: ﴿ تُفْتَنُونَ أي: تُسْتَدْرَجُون فيما أنتم فيه من الضلال.

الآية (48-53): يخبر تعالى عن طُغَاةِ ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دُعاةَ قومهم إلى الضَّلَالة والكفر وتكذيب صالح، وآلَ بهم الحال إلى أنهم عَقَرُوا الناقة، وهَمُّوا بقَتْل صالح أيضًا، بأن يُبَيِّتُوهُ في أهله ليلًا فيَقْتُلوه غيْلَةً، ثم يقولوا لأوليائه من أَقْرَبِيه: إنهم ما عَلِمُوا بشيء من أَمْرِه، وإنهم لصادقون فيما أَخبَرُوهم به من أنهم لم يُشَاهِدُوا ذلك، فقال تعالى: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ أي: مدينة ثمود ﴿ تِسْعَةُ رَهْطٍ أي: تسعة نَفَر ﴿ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ وإنَّما غَلَبَ هؤلاء على أَمْرِ ثمود؛ لأنهم كانوا كُبَرَاء فيهم ورؤساءهم. قال ابن عباس: هؤلاء هم الذين عَقَرُوا الناقةَ؛ أي: الذي صَدَر ذلك عن آرائهم ومشورتهم -قَبَّحَهم الله ولَعَنَهم- وقد فَعَل ذلك.

قال الله تعالى: ﴿ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ [القمر:29]، وقال تعالى ﴿ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:12]. وقال عطاء بن أبي رباح: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قال: كانوا يَقْرِضُونَ الدراهمَ، يعني: أنهم كانوا يأخذون منها، وكأنهم كانوا يَتَعَامَلون بها عَدَدًا، كما كان العرب يَتَعَامَلون.

وقال سعيد بن المسيب: قَطْع الذَّهَبِ والوَرِقِ من الفساد في الأرض. والغَرَضُ: أن هؤلاء الكَفَرَة الفَسَقَة، كان من صِفَاتِهم الإفساد في الأرض بكل طريق يَقدِرُون عليها، فمنها ما ذَكَرَه هؤلاء الأئمة وغير ذلك.

وقوله: ﴿ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي: تَحالَفُوا وتَبَايَعوا على قَتْل نبي الله صالح عليه السلام ليلًا غِيلَةً. فكَادَهم الله، وجَعَلَ الدائرة عليهم. قال مجاهد: تَقَاسَمُوا وتَحَالَفُوا على هَلَاكه، فلَمْ يَصِلُوا إليه حتى هَلَكُوا وقومُهم أجمعين. وقال ابن عباس: هم الذين عَقَرُوا النَّاقَة، قالوا حين عَقَرُوها: لنُبَيِّتَنَّ صالحًا وأهله وقومه فنَقْتُلَهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شَهِدْنا مِن هذا شيئًا، وما لنا به من عِلْمٍ. فدَمَّرَهُم الله أجمعين.

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لَـمَّا عَقَرُوا الناقة وقال لهم صالح: ﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]، قالوا: زَعَمَ صالح أنه يَفْرُغُ منَّا إلى ثلاثة أيام، فنحن نَفْرُغُ منه وأهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحِجْر عند شِعْب هناك يُصَلِّي فيه، فخَرَجُوا إلى كهف، أي: غار هناك ليلًا، فقالوا: إذا جاء يُصَلِّي قَتَلْنَاه، ثم رَجَعْنا إذا فَرَغْنا منه إلى أهله، فَفَرَغْنا منهم. فبَعَثَ الله صخرةً من الـهَضَب حِيَالهم، فخَشُوا أن تَشْدَخَهُم فَتَبَادروا فانطبقَتْ عليهم الصَّخْرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فُعِلَ بقومهم. فعَذَّبَ الله هؤلاء ههنا، وهؤلاء ههنا، وأَنْجَى الله صالحًا ومن معه، ثم قرأ: ﴿ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٥٠ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٥١ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً أي: فارغةً ليس فيها أحد ﴿ بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٥٢ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ .

الآية (54-55): يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط عليه السلام أنه أَنْذَرَ قومه نقمةَ الله بهم في فِعْلِهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشةٌ عظيمةٌ؛ استغنى الرجالُ بالرجال، والنساءُ بالنساء، فقال: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي: يَرَى بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر؟!

﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أي: لا تعرفون شيئًا لا طَبعًا ولا شَرْعًا؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٥ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165-166].