حجم الخط:

الآيات (45-62)

الآية (45-55): ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ ﴿٤٥ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ كقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ٣٦ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ ٣٧ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَىٰ ٣٩ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ [القيامة:36-40]. وقوله: ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ أي: كما خَلَق البَدَاءَة هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الآخرة يوم القيامة. ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ أي: مَلَّك عباده المال، وجَعَلَه لهم قُنْيَةً مُقِيمًا عندهم، لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم. وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح وابن جرير وغيرهما. وعن مجاهد: ﴿ أَغْنَىٰ : مَوَّلَ، ﴿ وَأَقْنَىٰ : أَخْدَمَ. وكذا قال قتادة. وقال ابن عباس ومجاهد: ﴿ أَغْنَىٰ : أَعْطَى، ﴿ وَأَقْنَىٰ : رَضَّى.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة، وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقَّاد الذي يُقَال له: «مِرْزَم الجوزاء»؛ كانت طائفة من العرب يعبدونه. ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ وهم: قوم هود. ويُقال لهم: عاد بن إرَم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ [الفجر:6-8]، فكانوا من أشدِّ الناس وأقواهم وأعتاهم، فأهْلَكَهم الله ﴿ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿٦ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة:6-7].

وقوله: ﴿ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ أي: دَمَّرَهُم فلم يُبْقِ منهم أحدًا، ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي: من قبل هؤلاء، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ أي: أشدَّ تـمرُّدًا من الذين من بعدهم، ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ يعني: مدائن لوط، قَلَبَها عليهم فجَعَل عاليها سافلها، وأَمْطَر عليهم حجارةً من سجيل منضود؛ ولهذا قال: ﴿ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ يعني: من الحجارة التي أَرْسَلَها عليهم ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [الشعراء:173]. ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ أي: ففي أي نِعَم الله عليك أيها الإنسان تَمْتَرِي؟! قاله قتادة. وقال ابن جُرَيج: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ يا محمد. والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير.

الآية (56-62): ﴿ هَٰذَا نَذِيرٌ يعني: محمدًا ، ﴿ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ أي: من جِنْسِهم، أُرْسِلَ كما أُرْسِلُوا؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9]. ﴿ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي: اقتربت القريبة، وهي القيامة ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ أي: لا يدفعها إذًا من دون الله أحد، ولا يَطَّلِعُ على عِلْمها سواه. ثم قال تعالى مُنكرًا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وَتَلَهِّيهم: ﴿ تَعْجَبُونَ من أن يكون صحيحًا؟! ﴿ وَتَضْحَكُونَ منه استهزاءً وسخريةً؟! ﴿ وَلَا تَبْكُونَ ؟! أي: كما يفعل الموقنون به، كما أَخبَر عنهم: ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:109]. وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ؟! قال ابن عباس: الغناء، هي يمانيَّة، اسْمِدْ لنا: غَنِّ لَنَا. وكذا قال عكرمة. وفي رواية عن ابن عباس: ﴿ سَامِدُونَ : معرضون. وكذا قال مجاهد وعكرمة. وقال الحسن: غافلون. وهو رواية عن علي ابن أبي طالب. وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون. وبه يقول السُّدِّي. ثم قال آمرًا لعباده بالسجود له والعبادة المتابِعة لرسوله والتوحيد والإخلاص: ﴿ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا أي: فاخضعوا له وأَخْلِصُوا ووَحِّدُوا. روى البخاري عن ابن عباس قال: سَجَدَ النبي بالنَّجْم، وسَجَدَ معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.