الآية (46-47): أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، في حال صغره، معجزةً وآية، وحال كُهولته حين يوحي الله إليه بذلك ﴿ وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح. فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله عز وجل، قالت في مناجاتها: ﴿ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ ﴾ تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بَغيًّا؟! حاشا لله. فقال لها الملك -عن الله عز وجل في جواب هذا السؤال-: ﴿ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ ﴾ أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء. وصرّح ههنا بقوله: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ ﴾ ولم يقل: «يفعل» كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى لـمُبطلٍ شُبهة، وأكد ذلك بقوله: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ أي: فلا يتأخر شيئًا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مُهلة، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ [القمر:50] أي: إنما نأمر مرةً واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر.
الآية (48): يقول تعالى مخبرًا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه السلام أن الله يعلّمه الكتاب والحكمة. الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا: الكتابة. والحكمة تقدَّم الكلام على تفسيرها في سورة البقرة.
﴿ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل: الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام، وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا وهذا.
الآية (49): ﴿ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: يجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، قائلًا لهم: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ ﴾ وكذلك كان يفعل: يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخُ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله عز وجل، الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله. ﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ ﴾ قيل: هو الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلًا. وقيل بالعكس. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبَه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ﴿ وَالْأَبْرَصَ ﴾ معروف. ﴿ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ ﴾ قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسىعليه السلام السحر وتعظيم السَّحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيّرت كل سَحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى عليه السلام فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد؟ أو على مداواة الأكْمَه، والأبرص؟ وبعث من هو في قبره رهينٌ إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه في زمن الفُصَحاء والبُلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله عز وجل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا.
وقوله: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ ﴾ أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مُدّخرٌ له في بيته لغَدِه ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ ﴾ أي: في ذلك كله ﴿ لَآيَةً لَكُمْ ﴾ أي: على صدْقي فيما جئتكم به ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.
الآية (50): ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾ أي: مُقرّرًا لها ومُثَبّتًا ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ ﴾ فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا، فكشف لهم عن المغطَّى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ [الزخرف:63]. ثم قال: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾.
الآية (51): أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ﴿ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾.
الآية (52): يقول تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال ﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ قال مجاهد: أي من يتبعني إلى الله؟ والظاهر أنه أراد: مَن أنصاري في الدعوة إلى الله. كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: «مَنْ رَجُل يُؤْوِيني حتى أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني] حتى وجد الأنصار فآوَوْهُ ونصروه، وهاجر إليهم فواسَوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ الحواريون قيل: كانوا قَصّارين. وقيل: سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم. وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري: الناصر. كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير، فقال: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا، وَحَوَارِيّي الزُّبَيْرُ» [متفق عليه].