حجم الخط:

الآيات (46-52)

الآية (46): ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبقَ معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. وقال آخرون: بل هي باقية أو محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين، فيُجادَل بالتي هي أحسن، ليكون أنجعَ فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل:125]. وهذا القول اختاره ابن جرير. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي: حادوا عن وجه الحق، وعَمُوا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجِلاد، ويُقاتَلون بما يردعهم ويمنعهم. قال مجاهد: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني: أهل الحرب، ومن امتنع منهم عن أداء الجزية. ﴿ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني: إذا أَخبَروا بما لا يُعلَم صِدقُهُ ولا كَذِبُه، فهذا لا نُقدِم على تكذيبه لأنه قد يكون حقًا، ولا على تصديقه، فلعله أن يكون باطلًا، ولكن نؤمن به إيمانًا مجملًا معلقًا على شرط وهو أن يكون منزلًا، لا مُبدَّلًا ولا مؤولًا. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» [تفرد به البخاري].

الآية (47): قال ابن جرير: يقول الله تعالى: كما أنزلنا الكُتُب على من قبلك -يا محمد- من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب. وهذا الذي قاله حسن، ومُناسبته وارتباطه جيد. ﴿ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي: الذين أخذوه فتَلَوْهُ حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء؛ كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما. ﴿ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يعني: العرب من قريش وغيرهم. ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ أي: ما يكذّب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل، وهيهات.

الآية (48): ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ أي: قد لبثت في قومك - يا محمد - ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرًا لا تقرأ كتابًا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أُمّي لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157]. قوله: ﴿ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ أي: لو كنت تُحسنها لارتاب بعض الجهَلة من الناس فيقول: إنما تعلَّم هذا مِن كُتبٍ قبله مأثورةٍ عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان:5].

الآية (49): ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي: القرآن آيات بيّنةٌ واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يَسَّره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا؛كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]. واختار ابن جرير أن المعنى: بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا ولا تخطه بيمينك، آياتٌ بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. ونقله عن قتادة، وابن جُرَيج. وحكى الأول عن الحسن البصري فقط. قلت: وهو الذي رواه العوفي عن عبد الله بن عباس، وقاله الضحاك، وهو الأظهر، والله أعلم. ﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ أي: ما يكذّب بها ويبخس حقها ويردّها إلا الظالمون، أي: المعتدون المكابرون، الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه.

الآية (50): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعنُّتهم وطلبهم آيات -يعنون- ترشدهم إلى أن محمدًا رسول الله كما جاء صالح بناقته، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يا محمد: ﴿ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ أي: إنما أمر ذلك إلى الله؛ فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم؛ لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنّت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك.

﴿ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: إنما بُعثت نذيرًا لكم بَيّنَ النّذارة، فَعَليَّ أن أبلغكم رسالة الله و﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17].

الآية (51): ثم قال تعالى مبينًا كثرة جهلهم، وسخافة عقلهم: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ أي: أولم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم، الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدًا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197]. ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ أي: إن في هذا القرآن ﴿ لَرَحْمَةً أي: بيانًا للحق، وإزاحة للباطل ﴿ وَذِكْرَىٰ بما فيه حلول النّقْمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .

الآية (52): ﴿ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا أي: ﱡﭐ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ [الأحقاف:8] من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبًا عليه لانتقم مني؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴿٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴿٤٦ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:44-47]، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيَّدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات. ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: لا تخفى عليه خافية، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ أي: يوم معادهم سيجزيهم على ما فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا من تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل؛ كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، سيجازيهم على ذلك، إنه حكيم عليم.