الآية (46): قوله: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ كقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ ﴾ الآية [آل عمران:14]، وقال: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن:15] أي: الإقبال عليه والتفَرُّغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم، والشفقة الـمُفْرِطَة عليهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ قال ابن عباس: «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وهكذا سُئل [عنها] أمير المؤمنين عثمان بن عفان فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقال عبد الرحمن بن زيد: هي الأعمال الصالحة كلها. واختاره ابن جرير رحمه الله.
الآية (47-49): يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ﴿٩﴾ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ﴾ [الطور:9-10] أي: تذهب من أماكنها وتزول، وكما قال: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾ [القارعة:5]. ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ أي: بادية ظاهرة، ليس فيها مَعْلَم لأحد ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية. ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾ أي: وجمعناهم؛ الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا؛ لا صغيرًا ولا كبيرًا.
وقوله: ﴿ وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا ﴾: يُحتمَل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفًّا واحدًا كما قال تعالى: ﱡﭐ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ﱠ [النبأ: 38]، ويُحتمَل أنهم يقومون صفوفًا صفوفًا، كما قال: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [الفجر:22]. وقوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ هذا تقريع للمُنكِرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد؛ ولهذا قال مخاطبًا لهم: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴾ أي: ما كان ظَنُّكم أن هذا واقع بكم، ولا أنَّ هذا كائن. وقوله: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾ أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير. ﴿ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا ﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرَّطنا في أعمارنا، ﴿ مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا ولا عملًا وإن صَغُر ﴿ إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ أي: ضَبَطَها وحَفِظَهَا. ﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ﴾ أي: من خير وشر كما قال تعالى: ﱡﭐ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﱠ [آل عمران: 30]. ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ فيَحْكُم بين عباده في أعمالهم جميعًا، ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يغفر ويصفح ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم يُنَجَّي أصحاب المعاصي، ويُخلَّد فيها الكافرون، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم.
الآية (50): يقول تعالى مُنبِّهًا بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومُقَرِّعًا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، وبألطاف رزقه غذَّاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ أي: لجميع الملائكة: ﴿ اسْجُدُوا لِآدَمَ ﴾ أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ﴾ أي: خانَهُ أصلُه؛ فإنه خُلِقَ من مارج من نار؛ كما ثبت عن عائشة، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «خُلِقت الملائكة من نور، وخُلق إبليس من مارج من نار، وخُلق آدم ممَّا وُصِفَ لكم» [رواه مسلم]. فعند الحاجة نضَحَ كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة؛ وذلك أنه كان قد تَوَسَّم بأفعال الملائكة وتشبَّه بهم، وتعبَّد وتنسَّك، فلهذا دَخَل في خطابهم وعصى بالمخالفة. ونبَّه تعالى ههنا على أنه ﴿ مِنَ الْجِنِّ ﴾ أي: إنه خُلِق من نار، كما قال: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف:12، ص:76]. قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طَرْفَة عينٍ قَطُّ، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر [رواه ابن جرير بإسناد صحيح]. وقوله: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ أي: فخرج عن طاعة الله؛ فإن الفِسق هو الخروج، يقال: فَسَقَتْ الرُّطَبة: إذا خَرجَت من أكمامها وفَسقَت الفأرة من جُحْرها: إذا خَرجَت منه لِلْعَيْثِ والفساد. ثم قال تعالى مُقَرِّعًا وَمُوَبِّخًا لِـمَنِ اتَّبَعَهُ وأطاعه: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ﴾ أي: بدلًا عنِّي؛ ولهذا قال: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾.
الآية (51): يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتُهم خلقي للسموات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا الْـمُسْتَقِلُّ بخلق الأشياء كلها، ومُدبّرها ومُقدّرها وَحْدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [سبأ: 22-23]. ولهذا قال: ﴿ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ قال مالك: أعوانًا.
الآية (52-53): يقول تعالى مُخبِرًا عمَّا يُخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعًا لهم وتوبيخًا: ﴿ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم، ينقذونكم مِمَّا أنتم فيه. ﴿ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﱠ [القصص: 64]. وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ﴾ مَهْلكًا. والمعنى: أن الله تعالى بيَّن أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يُفَرِّقُ بينهم وبينها في الآخرة، فلا [خُلوص] لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مَهْلَكٌ وهَولٌ عظيم وأَمْرٌ كبير. ﴿ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ أي: إنهم لَـمَّا عاينوا جهنم حين جِيء بها تُقَاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار، تحقَّقوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الـهَمِّ والـحُزْن لهم، فإنَّ تَوَقُّعَ العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذابٌ ناجِزٌ، ﴿ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ أي: ليس لهم طريق يَعْدِلُ بهم عنها، ولا بُدَّ لهم منها.