حجم الخط:

الآيات (47-55)

الآية (47-48): يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ أي: هؤلاء الكفار الملحدون الـمُكَذِّبُون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16].

وقوله: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ أي: الذي قد وَعَد من: إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه، ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أي: هو تعالى لا يَعجَل؛ فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجَّلَ وأَنْظَر وأَمْلَى؛ ولهذا قال بعد هذا: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ . عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم؛ خمسمائة عام» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني].

الآية (49-51): يقول تعالى لنبيه حين طَلَب منه الكفار وُقُوعَ العذاب، واستعجلوه به: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيرًا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إليَّ من حسابكم من شيء، أَمْرُكم إلى الله، إن شاء عَجَّلَ لكم العذاب، وإن شاء أَخَّرَه عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أَضَلَّ من كَتَبَ عليه الشقاوة، وهو الفَعَّال لِـمَا يشاء ويريد ويختار، ﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41].

﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: آمنت قلوبهم وصَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي: مغفرةٌ لِـمَا سَلَف من سيئاتهم، ومُجَازاةٌ حَسَنةٌ على القليل من حسناتهم، قال محمد بن كعب: إذا سمعتَ الله تعالى يقول: ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فهو الجنة.

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ : قال مجاهد: يُثَبّطون الناس عن متابعة النبي ، ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وهي النار الحارَّة الموجعة الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها. قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل:88].

الآية (52-54): قد ذَكَر كثير من المفسِّرين ههنا قصة الغرانيق، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرَها مسندةً من وجه صحيح، والله أعلم. وقد ساقها البغوي ثم سأل: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟

ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا من رسول الرحمن ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ هذا فيه تسليةٌ له صلوات الله وسلامه عليه؛ أي: لا يَهيدنّك ذلك؛ فقد أصاب مثل هذا مَن قبلَك من المرسلين والأنبياء. قال ابن عباس: ﴿ فِي أُمْنِيَّتِهِ إذا حَدَّث أَلقَى الشيطان في حديثه، فيُبْطِلُ الله ما يُلْقِي الشيطان، ويُحكِم الله آياته. وقال مجاهد: ﴿ إِذَا تَمَنَّىٰ يعني: إذا قال. وقال الضحاك: إذا تلا. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام.

وقوله: ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ : حقيقة النَّسْخِ لغةً: الإزالة والرَّفْع. قال ابن عباس: أي فيُبْطِل الله سبحانه وتعالى ما أَلْقَى الشيطان. وقال الضحاك: نَسَخَ جبريل بأَمْر الله ما ألقى الشيطان، وأَحْكَمَ الله آياته.

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية، ﴿ حَكِيمٌ أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التَّامَّة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: ﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شَكٌّ وشِركٌ وكُفْر ونِفَاق؛ كالمشركين حين فَرحُوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.

قال ابن جريج: ﴿ لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هم: المنافقون ﴿ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ : المشركون. وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود.

﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ أي: في ضَلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يُفَرِّقون به بين الحقِّ والباطل، المؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربِّك، الذي أَنزَله بعلمه، وحَفِظَه وحَرَسَه أن يَختَلِط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

وقوله: ﴿ فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي: يُصَدِّقُوه وينقادوا له، ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي: تَخْضَعُ وتذلّ، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيُرشِدُهم إلى الحقِّ واتباعه، ويوفِّقُهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم إلى الصراط المستقيم، الـمُوصِلِ إلى درجات الجنات، ويُزَحْزِحُهُم عن العذاب الأليم والدَّرَكَات.

الآية (55): يقول تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم لا يزالون في مِريَة، أي: في شَكٍّ وريب من هذا القرآن، قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: ﴿ مِنْهُ أي: ممَّا ألقَى الشيطان.

﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قال مجاهد: فجأةً، ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال أبيُّ بن كعب: هو يوم بدر، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقال عكرمة ومجاهد -في رواية عنهما-: هو يوم القيامة لا ليلةَ له. وكذا قال الضحاك والحسن البصري. وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أُوعِدُوا به، لكن هذا هو المراد.