الآية (5): ثم أَرْشَدَ إلى الأدب في ذلك فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة.
ثم قال داعيًا لهم إلى التوبة والإنابة: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. وقد ذُكر أنها نَزَلَت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما أورده غير واحد.
الآية (6-8): يأمر تعالى بالتَّثَبُّت في خبر الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يُحكَم بقوله فيكون -في نفس الأمر- كاذبًا أو مخطِئًا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عز وجل عن اتباع سبيل المفسدين، ومن ههنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فِسْقِه في نفس الأمر، وقَبِلَها آخرون لأنَّا إِنَّما أُمِرْنا بالتَّثَبُّت عند خَبَر الفاسق، وهذا ليس بمُحَقَّق الفِسْق؛ لأنه مجهول الحال.
وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أي: اعلموا أن بين أَظْهُرِكم رسول الله فعظِّمُوه ووَقِّرُوه، وتَأَدَّبوا معه، وانقادوا لأمره؛ فإنه أعلم بمصالحكم، وأَشْفَق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتمُّ من رأيكم لأنفسكم؛ كما قال تعالى: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الأحزاب:6]. ثم بَيَّن أن رأيهم سخيف[1] بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدَّى ذلك إلى عَنَتِكُم وحَرَجكم.
﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي: حَبَّبَهُ إلى نفوسكم وحَسَّنَهُ في قلوبكم.
﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ أي: وبَغَّضَ إليكم الكفر والفسوق، وهي: الذنوب الكبار. والعِصيان وهي جميع المعاصي. وهذا تدريج لكمال النعمة. وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ أي: الـمُتَّصِفُون بهذه الصفة هم الراشدون، الذين قد آتاهم الله رُشْدَهم.
وفي الحديث المرفوع: «من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن» [رواه أحمد، وصححه الألباني].
﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾ أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فَضْل منه عليكم ونعمة من لدنه، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بمن يستحق الهداية ممَّن يستحق الغواية، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
الآية (9-10): يقول تعالى آمرًا بالإصلاح بين الفئتين: الباغين بعضهم على بعض: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾، فسَمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال. وبهذا استدلَّ البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان بالمعصية وإن عَظُمَتْ، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم. وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ أي: حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه.
[سبب النزول]: عن أنس قال: قيل للنبي ﷺ: لو أتيت عبد الله ابن أُبيِّ؟! فانطلق إليه نبي الله ﷺ ورَكِبَ حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلمَّا انطلق إليه النبي ﷺ قال: «إليكَ عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك» فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك. قال: فغَضِب لعبد الله رجال من قومه، فغَضِب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضَرْب بالجريد والأيدي والنعال، فبَلَغَنا أنه أُنْزِلَت فيهم: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [متفق عليه].
وقوله: ﴿ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ أي: اعدلوا بينهم فيما كان أصاب بعضهم لبعض بالقسط وهو العدل، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في حُكْمهم وأهاليهم وما وَلُوا» رواه مسلم. وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ أي: الجميع إخوة في الدين؛ كما قال رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمه ولا يُسْلِمه» [متفق عليه]. وفي الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يَشُدُّ بعضُه بعضًا» وشَبَّكَ بين أصابعه [متفق عليه]. وقوله: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ يعني: الفئتين المقتتلتين، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتَّقَاه.
الآية (11): ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما في الصحيح: «الكِبْر بَطَرُ الحق وغَمْص الناس» ويروى: «وغَمْط الناس» [رواه مسلم]. والمراد من ذلك: احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام؛ فإنه قد يكون الـمُحْتَقَر أعظم قَدْرًا عند الله وأَحَبَّ إليه من الساخر منه الـمُحْتَقِر له؛ ولهذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾ فنَصَّ على نَهْي الرجال وعَطَف بنهي النساء.
وقوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: لا تَلْمِزُوا الناس. والهمَّاز اللَّماز من الرجال مذموم ملعون؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة:1]، والـهَمْز بالفعل واللَّمْز بالقول؛ كما قال: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم:11] أي: يحتقر الناس ويَهْمِزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي: اللَّمْز بالمقال؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾، كما قال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [النساء:29] أي: لا يقتل بعضكم بعضًا. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي: لا يَطْعَن بعضكم على بعض.
﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ أي: لا تدعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها. [سبب النزول]: عن أبي جَبِيرة بن الضحاك قال: فينا نَزَلَت في بني سَلِمَة: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ قال: قَدِم رسول الله ﷺ المدينة، وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دُعِيَ أحد منهم باسمٍ من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا. [رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني]. وقوله: ﴿ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ أي: بئس الصفة والاسم «الفسوق»، وهو: التنابز بالألقاب، كما كان أهل الجاهلية يتناعتون، بعدما دخلتم في الإسلام وعقلتموه. ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ﴾ أي: من هذا ﴿ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾.