حجم الخط:

الآيات (5-11)

الآية (5): يقول تعالى مخبرًا عن المنافقين: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ أي: صَدوا وأعرضوا عما قيل لهم، استكبارًا عن ذلك، واحتقارًا لما قيل لهم، ولهذا قال: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ .

الآية (6-8): ثم جازاهم على ذلك فقال: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ . [سبب النزول]: ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أُبي بن سلول. قال محمد بن إسحاق: ولما قدم رسول الله المدينة يعني: مَرْجعَه من أحد- وكان عبد الله بن أُبي بن سلول له مَقام يَقُومه كل جُمُعة لا يُنكر، شَرفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس النبي يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام، فقال: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزَّكم به، فانصروه وعَزّروه، واسمعوا له وأطيعوا. ثم جلس، حتى إذا صَنَع يوم أحُد ما صنع يعني: مرجعه بثلث الجيش- ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعتَ ما صنعتَ. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بُجْرًا[1]؛ أنْ قُمت أُشدِّدُ أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك، ما لك؟ قال: قمتُ أُشدِّدُ أمره، فوثب عليَّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بُجْرًا، أن قمت أُشدِّدُ أمره. قالوا: ويلك. ارجع يستغفر لك رسول الله . فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي. وعن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله في غَزَاة، فكَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجري: يا للمهاجرين. فقال رسول الله : «ما بال دعوى الجاهلية؟! دعوها فإنها منتنة». وقال عبد الله بن أبي بن سلول: وقد فعلوها! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله ، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي : «دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» [رواه البيهقي، وروى البخاري ومسلم نحوه]. وعن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله في غزوة تبوك، فقال عبد الله بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأتيت النبي فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أُبي أنه لم يكن شيء من ذلك. قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمتُ كئيبًا حَزينًا، فأرسل إليَّ نبي الله فقال: «إن الله قد أنزل عُذركَ وصَدَّقك». قال: فنزلت هذه الآية ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا ۗ حتى بلغ: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [رواه البخاري].

وعن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله في سفر، فأصاب الناس شِدَّةٌ، فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأتيت النبي فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أُبي فسأله، فاجتهد يمينَه ما فعل. فقالوا: كذب زيد يا رسول الله. فوقع في نفسي ما قالوا، حتى أنزل الله تصديقي: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ . قال: ودعاهم رسول الله ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. وقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ قال: كانوا رجالًا أجمل شيء [متفق عليه].

وقال عبد الله بن عبد الله بن أُبَي بن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسول الله الأعز وأنا الأذل. قال وجاء إلى النبي فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، لئن شئت أن آتيك برأسه لآتينك؛ فإني أكره أن أرى قاتل أبي. [رواه الحميدي في مسنده].

الآية (9-10): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيًا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرًا لهم بأنه مَن الْتَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خُلِقَ له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: ﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فكل مُفَرِّط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئًا يسيرًا، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال تعالى: ﴿ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [إبراهيم:44]، وقال تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].

الآية (11): قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أي: لا يُنْظِرُ أحدًا بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقًا في قوله وسؤاله ممن لو رُدّ لعاد إلى شر مما كان عليه؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ .