حجم الخط:

الآيات (5-14)

الآية (5): يقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قَصّ عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيمًا زائدًا، بحيث يخرُّون له ساجدين إجلالًا وإكرامًا واحترامًا، فخشي يعقوب عليه السلام أن يُحدِّث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له الغوائل حَسَدًا منهم له؛ ولهذا قال له: ﴿ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا أي: يحتالوا لك حيلةً يُرْدُونَك فيها. وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعَبَّر، فإذا عُبِّرت وقعت» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتحدث.

الآية (6): يقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدةً لك كذلك ﴿ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أي: يختارك ويصطفيك لنبوّته.

قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ قال مجاهد وغير واحد: يعني: تعبير الرؤيا. ﴿ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: بإرسالك والإيحاء إليك؛ ولهذا قال: ﴿ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وهو الخليل ﴿ وَإِسْحَاقَ ولده ﴿ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي: هو أعلم حيث يجعل رسالاته.

الآية (7): قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي: عبرةٌ ومواعظُ للسائلين عن ذلك، المستخبرين عنه؛ فإنه خبر عجيب يستحق أن يُستخبَر عنه.

الآية (8): قوله: ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا أي: حلفوا فيما يظنون: والله لَيوسف وأخوه -يعنون: بنيامين، وكان [أخاه] لأمه- ﴿ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي: جماعة، فكيف أحَبَّ ذَيْنك الاثنين أكثرَ من الجماعة؟ ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ يعنون: في تقديمهما علينا ومحبته إياهما أكثر منا.

الآية (9): قوله: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم، ليَخْلُو لكم وحدَكم؛ إما بأن تقتلوه، أو تُلقوه في أرض من الأراضي، تستريحوا منه وتختلوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامه قومًا صالحين. فأضمَروا التوبة قبل الذنب!

الآية (10): ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قال قتادة: كان أكبرهم، واسمه: روبيل، ﴿ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ أي: لا تَصِلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيلٌ إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرًا لا بدّ من إمضائه وإتمامه، من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يُلقوه ﴿ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس. قوله: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي: المارَّة من المسافرين، فتستريحوا بهذا، ولا حاجة إلى قتله، ﴿ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال ابن إسحاق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضَّع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحُرمة والفضل، وخطره عند الله، مع حق الوالد على ولده، ليُفرّقوا بينه وبين ابنه وحبيبه، على كِبَر سنّه، ورِقَّة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبَّهُ طفلًا صغيرًا، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرًا عظيمًا.

الآية (11): لما تواطَؤوا على أخذِه وطَرْحه في البئر، كما أشار به عليهم أخوهم رُوبيل، جاؤوا أباهم يعقوب عليه السلام فقالوا: ما بالك ﴿ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ؟! وهذه توطئة ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك؛ لما له في قلوبهم من الحسد لحُبّ أبيه له.

الآية (12): ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا أي: ابعثه معنا ﴿ غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قال ابن عباس: يسعى وينشط. وكذا قال قتادة، والضحاك، والُّسدِّي، وغيرهم. قوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.

الآية (13-14): يقول تعالى مخبرًا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي: يشقّ عليَّ مفارقتُهُ مُدَّةَ ذهابكم به إلى أن يرجع؛ وذلك لِفَرْط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة والكمال في الخَلْق والخُلُق، صلوات الله وسلامه عليه.

وقوله: ﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورَعْيكم، فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون. فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة، إنا إذًا لهالكون عاجزون.