حجم الخط:

الآيات (50-58)

الآية (50-51): أمر الله سبحانه رسول الله أن يجيبهم فقال: ﴿ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا إذْ هُما أشد امتناعًا من العظام والرفات. ﴿ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ قال مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك فقال: هو الموت. وعن ابن عمر أنه قال: لو كنتم موتى لأحييتكم. ومعنى ذلك: أنكم لو فرضتم أنكم لو صِرْتُم إلى الموت الذي هو ضد الحياة، لأحياكم الله إذا شاء؛ فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقال مجاهد: ﴿ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ يعني: السماء والأرض والجبال. وفي رواية: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم. قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا؟! ﴿ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا مذكورًا، ثم صرتم بشرًا تنتشرون؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الآية [الروم:27]. قوله: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء.

قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الملك:25]. وقوله: ﴿ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا أي: احذروا ذلك، فإنه قريب إليكم، سيأتيكم لا محالة، فكلُّ ما هو آتٍ آت.

الآية (52): قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ أي: الرب تعالى؛ ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم:25] أي: إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يُخالَف ولا يُمَانع، بل كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿١٣ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:13-14] أي: إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته.

قال ابن عباس: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أي: بأمره. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. وقال بعضهم: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ أي: وله الحمد في كل حال. قوله: ﴿ وَتَظُنُّونَ أي: يوم تقومون من قبوركم ﴿ إِنْ لَبِثْتُمْ أي: في الدار الدنيا ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ، وكقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:46].

الآية (53): يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنهم إذ لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة؛ فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، وعداوتُه ظاهرة بيّنة؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة؛ فإن الشيطان يَنْزَغُ في يده، أي: فربما أصابه بها. قال رسول الله : «لا يُشيرنَّ أحدُكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» [متفق عليه].

الآية (54-55): يقول تعالى: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أيها الناس، أي: أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ﴿ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه. ﴿ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يا محمد ﴿ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا أي: إنما أرسلناك نذيرًا، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. قوله: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]. وهذا لا ينافي ما في الصحيحين أن رسول الله قال: «لا تفضلوا بين الأنبياء»؛ فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهّي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضل. ولا خلاف أن محمدًا أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى ثم عيسى -عليهم السلام- على المشهور. قوله: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا تنبيه على فضله وشرفه.

الآية (56-57): يقول تعالى: ﴿ قُلِ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: ﴿ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم، فإنهم ﴿ لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ أي: بالكلية ﴿ وَلَا تَحْوِيلًا أي: أن يحولوه إلى غيركم. والمعنى: أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال ابن عباس: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرًا، وهم الذين يدعون، يعني: الملائكة والمسيح وعزيرًا. عن عبد الله في قوله: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ قال: ناس من الجن، كانوا يُعبدون فأسلموا. وفي رواية: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم [متفق عليه].

[سبب النزول]: قال ابن مسعود في قوله: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ : نزلت في نفر من العرب، كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجِنِّيُّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: عيسى والعُزير والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود؛ لقوله: ﴿ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ، وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعُزير. قال: والوسيلة هي القُربة، كما قال قتادة؛ ولهذا قال: ﴿ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ . وقوله: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء؛ فبالخوف يَنْكَفُّ عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات. قوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا أي: ينبغي أن يُحذر منه، ويُخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه.

الآية (58): هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتَمَ وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يُبيدَ أهلها جميعَهم أو يعذبهم ﴿ عَذَابًا شَدِيدًا إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود:101].