الآية (51): ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ﴾ قال مجاهد: فَصَّلْنَا لهم القول. وقال السُّدي: بَيَّنَّا لَـهم القول. وقال قتادة: أَخْبَرَهم كيف صَنَع بمن مَضى وكيف هو صانع، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾.
الآية (52-55): يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [المائدة:82-83]. قال سعيد بن جبير: نَزَلَتْ في سبعين من القسيسين بَعَثَهُمُ النجاشي، فلمَّا قَدِمُوا على النبي ﷺ قَرَأ عليهم: ﴿ يس ﴿١﴾ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾ حتى خَتَمَها، فجَعَلوا يَبْكُون وأَسْلَمُوا، ونَزَلَتْ فيهم هذه الآية الأخرى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٢﴾ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ يعني: من قبل هذا القرآن كُنَّا مسلمين، أي: مُوَحِّدِين مخلصين لله مُسْتَجِيبين له.
﴿ أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ﴾ أي: هؤلاء الـمُتَّصِفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأوَّل، ثم بالثاني يُؤْتَون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثُم بالثاني؛ ولهذا قال: ﴿ بِمَا صَبَرُوا ﴾ أي: على اتباع الحق؛ فإنَّ تَجشُّم مثل هذا شديد على النفوس. وقد وَرَد في الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة يُؤتَونَ أجْرهم مَرّتَين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيِّه ثم آمن بي..» الحديث.
وقوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ أي: لا يُقَابِلون السَّيِّئَ بمثله، ولكن يَعْفُون وَيَصْفَحون، ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ أي: ومن الذي رَزَقَهم من الحلال يُنْفِقُون على خَلْق الله في النَّفَقَات الواجبة لأهلهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة، والـمُسْتَحَبة من التَّطَوُّعات، وصَدَقَات النَّفْل والقُرُبَات. وقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ أي: لا يُخَالِطون أهله ولا يُعَاشِرونهم، بل كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان:72].
﴿ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ أي: إذا سَفِهَ عَلَيْهِمْ سَفيه، وكَلَّمهم بما لا يَليقُ بهم الجوابُ عنه، أَعْرَضُوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يَصْدُرُ عنهم إلا كلام طيب؛ ولهذا قال عنهم إنهم قالوا: ﴿ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ أي: لا نُريد طَريق الجاهلين ولا نُحِبُّها.
الآية (56): يقول تعالى لرسوله ﷺ: يا محمد ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة؛ كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة:272].
وهذه الآية أَخَصّ من هذا؛ فإنه قال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: هو أَعْلَم بمن يَسْتَحِق الهداية ممن يَسْتَحِق الغواية.
[سبب النزول]: وقد ثبت أَنَّها نَزَلَتْ في أبي طالب عَمِّ رسول الله ﷺ، وقد كان يَحوطُه ويَنْصُره، ويقوم في صَفِّه ويُحِبُّهُ حُبًّا شديدًا طَبْعِيًّا لا شَرْعيًا. عن المسيب بن حَزْن المخزومي قال: لَـمَّا حَضَرَت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوَجَدَ عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله ﷺ: «يا عَمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أَتَرْغَبُ عن ملة عبد المطلب؟! فلم يَزَلْ رسول الله ﷺ يَعْرِضُهَا عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو على مِلَّة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: «أَمَا لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك». فأَنْزَل الله عز وجل: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ ﴾ [التوبة:113]، وأُنْزِلَ في أبي طالب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [متفق عليه].
الآية (57): يقول تعالى مخبرًا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى؛ حيث قالوا لرسول الله ﷺ: ﴿ إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾ أي: نَخْشَى إِن اتبعنا ما جئتَ به من الهدى، وخالفنا من حَوْلَنَا مِن أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويَتَخَطَّفُونَا أينما كُنَّا، فقال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا ﴾ يعني: هذا الذي اعتذروا به كَذِبٌ وباطل؛ لأن الله جَعَلَهم في بلد أمين، وحَرَمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ منذ وُضِع، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا في حال كُفْرِهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أَسْلَمُوا وتابعوا الحقَّ!
وقوله: ﴿ يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي: من سائر الثمار ممَّا حَوْلَه من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة ﴿ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴾ أي: من عندنا، ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ولهذا قالوا ما قالوا.
الآية (58-59): يقول تعالى مُعَرّضًا بأهل مكة في قوله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ أي: طَغَتْ وأَشِرَت وَكَفَرت نعمةَ الله، فيما أَنْعمَ به عليهم من الأرزاق.
ولهذا قال: ﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي: دَثَرت ديارهم فلا تُرَى إِلَّا مساكنهم ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ أي: رَجَعَت خَرَابًا ليس فيها أحد.
ثم قال الله مخبرًا عن عدله، وأنه لا يُهْلِكُ أحدًا ظالمًا له، وإنما يُهْلِكُ من أَهْلَكَ بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا ﴾ وهي مكة ﴿ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ فيه دلالة على أن النبيَّ الأميَّ، وهو محمد ﷺ المبعوث من أم القرى، رسول إلى جميع القرى، من عَرَبٍ وأَعْجَامٍ. فجَعَل تعالى بعْثَةَ النَّبِيِّ الأميِّ شاملةً لجميع القرى؛ لأنه مبعوث إلى أُمِّها وأصلها التي تَرجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود». ولهذا خَتَمَ به الرسالة والنبوة، فلا نَبِيَّ بعده ولا رسول، بل شَرْعُهُ باقٍ بقاءَ الليل والنهار إلى يوم القيامة.