حجم الخط:

الآيات (51-60)

الآية (51): يقول تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا يابسة على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشبّ واستوى على سوقه، ﴿ فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا أي: قد اصفر وشرع في الفساد، ﴿ لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ أي: بعد هذا الحال ﴿ يَكْفُرُونَ أي: يجحدون ما تقدم إليهم من النعم؛ كما قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ إلى قوله: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة:63-67].

الآية (52-53): يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامَك الصُّمّ الذين لا يسمعون، وهم مع ذلك مُدْبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق، ورَدّهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله تعالى؛ فإنه بقدرته يُسْمِعُ الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يستمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال المؤمنين، والأول مَثَل الكافرين؛ كما قال: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام:36]. وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذه الآية: ﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي القتلى الذين أُلقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم وتقريعه لهم، حتى قال له عمر: يا رسول الله، ما تخاطبُ من قوم قد جَيَّفوا؟! فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمَع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون» [متفق عليه]. وتأوَّلته عائشة على أنه قال: «إنهم الآن ليعلمون أنَّ ما كنت أقول لهم حق» [متفق عليه]. وقال قتادة: أحياهم الله حتى سمعوا مقالته توبيخًا ونقمة. والصحيح عند العلماء رواية ابن عمر؛ لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام». وثبت عنه أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه [رواه البخاري ومسلم]. وقد شرع النبي لأمته إذا سلّموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلّم: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» [رواه مسلم]، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا. وقد شُرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر، ولا يعلم بالمسلّم محال، وقد علّم النبي أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: «سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية» [رواه مسلم]، فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلّم الرد، والله أعلم.

الآية (54): ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالًا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظامًا ثم تكسى لحمًا، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفًا نحيفًا واهن القوى، ثم يشب قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حَدثًا، ثم مراهقًا، ثم شابًا، وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل. ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللِّمَّة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ .

الآية (55-56): يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة؛ ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضًا؛ فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم يُنْظَروا حتى يُعذَر إليهم. قال الله تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ . ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ أي: فيردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ أي: في كتاب الأعمال ﴿ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ أي: من يوم خُلقتم إلى أن بُعثتم، ﴿ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ .

الآية (57): قال الله تعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة ﴿ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ أي: اعتذارهم عما فعلوا ﴿ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت:24].

الآية (58-59): ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: قد بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليتبينوا الحق ويتبعوه. ﴿ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل؛ كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:96-97]، ولهذا قال ههنا: ﴿ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .

الآية (60): ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم؛ فإن الله تعالى مُنجزٌ لك ما وعدك من نصره إياك، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، ﴿ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ أي: بل اثبت على ما بعثك الله به؛ فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هُدًى يُتَّبع، بل الحق كله منحصر فيه.