حجم الخط:

الآيات (51-76)

الآية (51-56): ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴿٥٢ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ وذلك أنهم يُقْبَضُون ويُسْجَرون حتى يأكلوا من شَجَر الزقوم، حتى يملؤوا منها بطونهم، ﴿ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿٥٤ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ وهي الإبل العِطَاش، واحدها: أهْيَم، والأنثى: هيماء، ويُقال: هائم وهائمة. وعن عكرمة: الإبل الـمِرَاض، تَـمُصُّ الماء مَصًّا ولا تَرْوَى. وقال السُّدِّي: الهيم: داء يأخذ الإبل فلا تَرْوَى أبدًا. ﴿ هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم؛ كما قال في حق المؤمنين: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107] أي: ضيافةً وكرامةً.

الآية (57-62): يقول تعالى مُقَرِّرًا للمَعَاد، ورادًّا على المكذِّبين به من أهل الزيغ والإلحاد: ﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ أي: نحن ابتدأنا خَلقَكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليسَ الذي قَدَر على البَدَاءَة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؟! فلهذا قال: ﴿ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أي: فَهَلَّا تُصَدِّقون بالبَعْث! ثم قال مُستَدِلًّا عليهم بقوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ﴿٥٨ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ أي: أنتم تُقِرُّونَه في الأرحام وتَخْلُقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟! ثم قال: ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أي: صرَّفْناه بينكم. وقال الضحاك: ساوَى فيه بين أهل السماء والأرض. ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي: وما نحن بعاجزين ﴿ عَلَىٰ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ أي: نُغَيِّر خَلْقَكم يوم القيامة، ﴿ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ أي: من الصفات والأحوال. ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، فخلقكم وجَعَل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهَلَّا تتذكرون وتعرفون أن الذي قَدَر على هذه النشأة -وهي البَدَاءَة- قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى؛ كما قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: 27].

الآية (63-74): ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ؟! وهو شَقُّ الأرض وإثارتها والبَذْر فيها، ﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ؟! أي: تُنْبِتُونَه في الأرض ﴿ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ أي: بل نحن الذين نُقِرُّه قَرَارَه ونُنْبِتُه في الأرض.

﴿ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا أي: نحن أنبتناه بلُطْفِنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم رحمةً بكم، ولو نَشَاء لجعلناه حُطَامًا، أي: لَأَيْبَسْنَاه قبل استوائه واستحصاده، ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ثم فَسَّرَ ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أي: لو جعلناه حُطَامًا لظَلْتُم تَفَكَّهُون في المقالة، تُنَوِّعُون كلامكم، فتقولون تارةً: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أي: لَـمُلْقَون. وقال مجاهد وعكرمة: إنا لَـمُولَعٌ بنا. وقال قتادة: مُعَذَّبُون. وتارةً تقولون: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . وقال مجاهد أيضًا: ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ مُلْقَوْن لِلشَّرِّ، أي: بل نحن مُحَارَفون، قاله قتادة، أي: لا يَثْبُت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح. وقال مجاهد: ﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي: مَجْدُودُون، يعني: لا حَظَّ لنا. قال ابن عباس ومجاهد: ﴿ تَفَكَّهُونَ : تَعْجَبُونَ. وقال مجاهد أيضًا: تُفْجَعُون وتحزنون على ما فاتكم من زَرعكم. وهذا يَرجع إلى الأول، وهو التَّعَجُّب من السبب الذي من أجله أُصِيبوا في مالهم. وهذا اختيار ابن جرير. وقال عكرمة: تَلَاوَمُون. وقال الحسن وقتادة والسُّدِّي: تندمون. ومعناه إما على ما أنفقتم، أو على ما أسلفتم من الذنوب. ثم قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يعني: السحاب. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد.

﴿ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ يقول: بل نحن المنزلون. ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا أي: زُعاقًا[1] مُرًّا لا يَصْلُح لشُرْب ولا زَرْع ﴿ فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ أي: فَهَلَّا تشكرون نعمةَ الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عَذْبًا زُلالًا! ثم قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أي: تَقْدَحُون من الزِّناد، وتستخرجونها من أصلها، ﴿ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ أي: بل نحن الذين جعلناها مُودَعَةً في موضعها، وللعرب شجرتان: إحداهما: المرخ، والأخرى: العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران فحك أحدهما بالآخر، تناثر من بينهما شرر النار. ﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً قال مجاهد وقتادة: أي تُذَكِّر النارَ الكبرى. عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «نار بني آدم التي يُوقِدُون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم» [متفق عليه].

﴿ وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: يعنى: المسافرين، واختاره ابن جرير. وعن مجاهد: ﴿ لِلْمُقْوِينَ : المستمتعين، الناس أجمعين. وهذا التفسير أعمُّ من غيره؛ فإن الحاضر والبادي من غَني وفقير، الجميع محتاجون للطبخ والاصطلاء والإضاءة وغير ذلك من المنافع. ثم أُفْرِد المسافرون وإن كان ذلك عامًّا في حقِّ الناس كلهم. قوله: وقال الضحاك والسدي وأبو حزرة في قوله تعالى: لا ينقطع، ليس فيها شمس ولا حر مثل قبل طلوع الفجر،أي: الذي بقدرته خَلَقَ هذه الأشياء المختلفة الـمُتَضَادَّة، وجَعَل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم، وزاجرًا لهم في المعاد.

الآية (75-76): وهذا قَسَم من الله عز وجل ؛ يُقسِم بما شاء من خَلقِه، وهو دليل على عظمته. ثم قال بعض المفسرين: «لا» ههنا زائدة، وتقديره: أُقسِم بمواقع النجوم. ورواه ابن جرير عن سعيد بن جبير. ويكون جوابه: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . وقال آخرون: ليست «لا» زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أوَّل القسم إذا كان مُقسَمًا به على مَنْفِي، وتقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سِحْر أو كهانة، بل هو قرآن كريم. وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿ فَلَا : فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد فقيل: ﴿ أُقْسِمُ .

﴿ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ قال ابن عباس: نجوم القرآن، نَجَّمَهُ جبريل على محمد عشرين سنةً. وكذا قال عكرمة ومجاهد والسُّدِّي.

قال مجاهد وغيره: ﴿ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ في السماء، ويُقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن وقتادة، وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: منازلها. وعن الحسن: انتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك: يعني بذلك: الأنواء. وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ أي: وإن هذا القسم الذي أَقْسَمْتُ به لَقَسَم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم الـمُقْسَم به عليه.