الآية (52-60): يقول تعالى مُسلِّيًا نبيه ﷺ: وكما قال لك هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسلهم: ﴿ كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾! قال تعالى: ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ ﴾ أي: أَوْصَى بعضُهم بعضًا بهذه المقالة؟! ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدِّمُهم.
﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: فأعْرِض عنهم يا محمد ﴿ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ﴾ يعني: فما نَلُومك على ذلك، ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة. ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ أي: إنَّما خلقتُهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال ابن عباس: إلا لِيُقِرُّوا بعبادتي طَوعًا أو كُرْهًا. وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن جُرَيْج: إلا لِيَعْرِفُونِ. وقال الربيع بن أنس: أي: إِلَّا لِلْعِبَادَةِ. وقال الضحاك: المراد بذلك المؤمنون.
﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ معنى الآية: أنه تعالى خَلَق العباد ليعبدوه وَحْدَه لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أَتَمَّ الجزاء، ومن عصاه عَذَّبه أَشَدَّ العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم؛ فهو خالقهم ورازقهم. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله: «يا ابن آدم، تَفَرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غِنًى، وأسدُّ فَقْرَك، وإلا تَفْعَل مَلَأَتُ صَدْرَك شُغْلًا ولم أَسُدَّ فقرك» [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصحح إسناده أحمد شاكر].
﴿ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ﴾ أي: نصيبًا من العذاب، ﴿ مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ﴾ أي: فلا يستعجلون ذلك؛ فإنه واقع لا محالة.
﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ أي: يوم القيامة.