الآية (52-53): قوله: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ ﴾ أي: الجبل ﴿ الْأَيْمَنِ ﴾ من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، فرآها تلوح فقصَدَها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه، غربية عند شاطئ الوادي، فكلَّمه الله تعالى وناداه وقرَّبه وناجاه. عن ابن عباس قال: أُدْنيَ حتى سمع صريف القلم. قوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴾ أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيًا، كما في الآية الأخرى: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴾ [القصص:34]؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحدٌ في أحدٍ شفاعةً في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًّا.
الآية (54-55): هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل -عليهما السلام- وهو والد عرب الحجاز كلهم، بأنه ﴿ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ﴾. وقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿ صَادِقَ الْوَعْدِ ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات:102]، فصَدَق في ذلك. فصِدْقُ الوعد من الصفات الحميدة، كما أنّ خُلْفَهُ من الصفات الذميمة. قوله: ﴿ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وُصف بالنبوّة فقط، وإسماعيل وُصف بالنبوّة والرسالة. قوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ﴾ هذا أيضًا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلَّةِ السديدة؛ حيث كان مثابرًا على طاعة ربه آمرًا بها لأهله.
الآية (56-57): ذكر إدريس عليه السلام بالثناء عليه بأنه كان صدّيقًا نبيًا، وأن الله رفعه مكانًا عليًا. وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ مرَّ به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة [متفق عليه].
الآية (58): يقول تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ هؤلاء النبيون -وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء -عليهم السلام- استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس، ﴿ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴾ الآية. قال السُّدِّي وابن جرير: الذي عنى به من ذرية آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم. قوله: ﴿ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حُجَجه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة. «والبُكِيّ»: جمع باكٍ، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا، اقتداء بهم، واتباعًا لمنوالهم.
الآية (59-60): ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ أي: قرون أُخَر ﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾ وإذا أضاعوها فهم لِمَا سواها من الواجبات أضيَع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد. وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيًّا؛ أي: خَسَارًا يوم القيامة. وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تَرْكُها بالكلية، واختاره ابن جرير. وقال عمر بن عبد العزيز: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت. وقال الحسن: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات. قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ قال ابن عباس: خسرانًا. وقال قتادة: شرًا. قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات؛ فإن الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله مِن ورثة جنة النعيم؛ ولهذا قال: ﴿ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾؛ وذلك لأن التوبة تُجبُّ ما قبلها. ولهذا لا يُنْقَصُ هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قُوبِلُوا بما عملوه قبلها فيُنقَص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هَدَرًا وتُرك نسيًا، وذهب مَجَّانًا من كرم الكريم، وحلم الحليم. وهذا الاستثناء كقوله في سورة الفرقان: ﱡﭐ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﱠ [الفرقان:70].
الآية (61-63): يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات ﴿ عَدْنٍ ﴾ أي: إقامة، ﴿ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ ﴾ بظهر الغيب؛ أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله؛ كقوله: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ﴾ [المزمل:18] أي: كائنًا لا محالة. وقوله ههنا: ﴿ مَأْتِيًّا ﴾ أي: العباد صائرون إليه، وسيأتونه. قوله: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ﴾ أي: هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا، ﴿ إِلَّا سَلَامًا ﴾ استثناء منقطع؛ كقوله: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة:25، 26]. قوله: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ أي: في مثل وقت البُكُرات ووقت العَشيّات، لا أن هناك ليلًا أو نهارًا ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مُضِيَّها بأضواء وأنوار. قال قتادة: فيها ساعتان: بكرة وعشي، ليس ثَمَّ ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور. قوله: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضـراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، كما قال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ إلى أن قال: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون:10-11].
الآية (64): [سبب النزول]: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ إلى آخر الآية، انفرد بإخراجه البخاري.
قوله: ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ﴾ قيل: المراد: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾: أمر الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾: أمر الآخرة، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ﴾: ما بين النفختين. هذا قول أبي العالية. وقيل: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾ ما نستقبل من أمر الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَنَا ﴾ أي: ما مضى من الدنيا، ﴿ وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ﴾ أي: ما بين الدنيا والآخرة. واختاره ابن جرير. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ قال مجاهد والسُّدِّي: معناه: ما نسيك ربك. عن أبي الدرداء يرفعه قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئًا» ثم تلا هذه الآية: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [رواه الحاكم، وحسنه الألباني].