الآية (53-54): وقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنّا بعضهم ببعض؛ ﴿ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾؛ وذلك أن رسول الله ﷺ كان غالب من اتبعه في أول البعثة ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل؛ كما قال قومُ نوح لنوح: ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ الآية [هود:27]، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرُّسل. [رواه البخاري] والغرض: أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذِّبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: ﴿ أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾؟ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير -لو كان ما صاروا إليه خيرًا- ويدَعُنا، كما قالوا: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف:11]، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ [مريم:73]. قال الله تعالى في جواب ذلك: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ﴾ [مريم:74]، وقال في جوابهم -حين قالوا: ﴿ أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم؟! فيوفِّقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت:69]. وفي الحديث الصحيح: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: فَأَكْرِمْهم بِرَدِّ السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم؛ ولهذا قال: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا ﴿ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل. وقال عِكْرِمة: الدنيا كلها جهالة. ﴿ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على ألَّا يعود وأصلح العمل في المستقبل، ﴿ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لما قَضَى الله الخَلْقَ، كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» [متفق عليه]. ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضاً: قوله ﷺ لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا»، ثم قال: «أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ألّا يعذبهم» [متفق عليه].
الآية (55-59): يقول تعالى: وكما بَيَّنَا ما تقدَّم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم المجادلة والعناد، ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ: «ولتستبين سبيلَ المجرمين» أي: ولتستبين يا محمد -أو يا مخاطب- سبيلَ المجرمين. وقوله: ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي، ﴿ وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ﴾ أي: بالحق الذي جاءني من الله، ﴿ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴾ أي: من العذاب، ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ أي: إنَّما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عَجَّل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظَركم وأجَّلكم؛ لِـما له في ذلك من الحكمة العظيمة؛ ولهذا قال: ﴿ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ أي: وهو خير من فَصَل القضايا، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده. وقوله: ﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ أي: لو كان مرجع ذلك إليَّ، لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك، ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾. وعن عائشة؛ أنها قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيتُ من قومك، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عَرَضْتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظَلَّتْني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بَعَث إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم». قال: «فناداني مَلَك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك، لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أطبقتُ عليهم الأخشبين؟» فقال رسول الله ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئًا»، [متفق عليه]. فقد عُرِض عليه عذابهم واستئصالهم، فَاسْتَأْنَى بهم، وسأل لهم التأخير، لعلَّ الله أن يُخرج من أصلابهم من لا يُشرك به شيئًا. فما الجمع بين هذا، وبين قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾؟ فالجواب - والله أعلم -: أن هذه الآية دَلَّت على أنه لو كان إليه وقوعُ العذاب الذي يطلبونه حالَ طَلبهم له، لأوقعه بهم. وأما الحديث، فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عَرَض عليه مَلَكُ الجبال أنه إن شاء أَطْبَقَ عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبًا وشَمالًا- فلهذا اسْتَأْنَى بهم، وسأل الرفق لهم. وقوله: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان:34]» [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ أي: يحيط علمه العظيم بجميع الموجودات، بَرِّيِّها وبحريِّها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقوله: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنُّك بالحيوانات؟! ولا سيما المكلفون منهم من جِنِّهم وإِنْسِهم؟! كما قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر:19].