حجم الخط:

الآيات (53-61)

الآية (53-54): عن ابن عباس في قوله: ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ قال: مع أمة محمد .

ثم قال تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل فيما هَمُّوا به من الفتك بعيسى عليه السلام وإرادته بالسوء والصَّلب، حين تمالؤوا عليه، ورموه [بـ]الكذب، وأنه ولد زانية! فلما ظنوا أنهم قد ظَفِروا به، نجَّاه الله من بينهم، ورَفعَه إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل [آخر]، فأخذوه وصلبوه، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجَّى نبيّه ورفعه من بين أَظهُرِهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطَلبتِهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .

الآية (55-58): اختلف المفسرون في قوله: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ فقال قتادة وغيره: هذا من المقدَّم والمؤخَّر، تقديره: إني رافعك إليَّ ومتوفيك، يعني بعد ذلك. وقال ابن عباس: أي: مُميتُك. وقال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت. وكذا قال ابن جريج: تَوَفِّيه هو رَفْعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا: النوم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42]، وكان رسول الله يقول - إذا قام من النوم -: «الْـحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ» [رواه البخاري]. وقال الله تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ إلى قوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴿١٥٧ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٥٨ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:156-159]، والضمير في قوله: ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ عائد على عيسى عليه السلام؛ أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى [قبل موت عيسى]، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، فحينئذٍ يُؤمِن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقوله تعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: برفعي إياك إلى السماء، ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ، وهكذا وَقَع؛ فإن المسيح عليه السلام لما رَفَعَه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شِيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بَعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أَمَتِه، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَدّ على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلةً ليُفسده، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه، إلا أنه بَدَّل لهم دين المسيح وحَرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا، عليهم لعائن الله. فلما بَعَثَ الله محمدًا ، فكان من آمن به يُؤمِن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق: كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض؛ إذْ قد صدَّقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيّد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي مِن أمّته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدَّلوا. ثم لو لم يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ الله شَرِيعَةَ جميع الرسل بما بَعَث به محمدًا من الدين الحق، الذي لا يُغَيَّر ولا يُبَدَّل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين. ولهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا سَلَبوا النصارى بلاد الشام وأَجْلَوهم إلى الروم، فلجأوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ كذلك فَعَل تعالى بمن كَفَر بالمسيح من اليهود، أو غَلا فيه وأَطْراه من النصارى؛ عَذَّبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخْذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عَذابُهم أشدُّ وأشقُّ، وما لهم من الله من واقٍ.

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ .

ثم قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أَمْر عيسى ومَبْدَأ ميلاده وكيفية أمْرِه، هو مما قاله الله تعالى، وأوحَاهُ إليك وأنزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مِريَةَ فيه ولا شكَّ، كما قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم:34].

الآية (59-61): يقول تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ في قُدرة الله تعالى حيث خَلَقه من غير أب ﴿ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ فإن الله تعالى خَلَقَه من غير أب ولا أم، بل ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأَولى والأَحرَى، وإنْ جاز ادعاء البُنوَّة في عيسى بكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأَولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواه في عيسى أشدّ بُطلانًا وأظهر فسادًا. ولكن الرب عز وجل أراد أن يُظهر قدرته لخلقه حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواءَ من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذَكَر، كما خَلَقَ بقية البريَّة من ذَكَر وأنثى، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21]، وقال ههنا: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا مَحيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم قال تعالى -آمرًا رسوله أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ أي: نُحضِرهم في حال المباهلة ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي: نلتعن، ﴿ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ، أي: منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة في وفد نجران.