حجم الخط:

الآيات (53-63)

الآية (53-54): يقول تعالى مخبرًا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، وبأس الله أن يحل عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، وقال ههنا: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ أي: لولا ما حَتّم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبًا سريعًا كما استعجلوه. ثم قال: ﴿ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً أي: فجأة ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٥٣ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ أي: يستعجلون بالعذاب، وهو واقع بهم لا محالة.

الآية (55): ثم قال عز وجل: ﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ؛ كقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41]، وقال تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16]، وقال تعالى: ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ [الأنبياء:39]، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس؛ كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ﴿٤٨ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:48-49]، وقال ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴿١٣ هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٤ أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿١٥ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:13-16].

الآية (56): هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ . ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا هناك خير المنزلين، أصحَمة النجاشي ملك الحبشة -رحمه الله- آواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سُيُومًا ببلاده. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة.

الآية (57-58): ثم قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله، فهو خير لكم؛ فإن الموت لا بد منه، ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع، فمن كان مطيعًا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتم الثواب. ولهذا قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أي: لنُسكنّنهم منازلَ عاليةً في الجنة تجري من تحتها الأنهار، على اختلاف أصنافها، من ماء وخمر، وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا، ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا ﱡﭐ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108]، ﴿ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ نعمت هذه الغُرَفُ أجرًا على أعمال المؤمنين.

الآية (59): ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا أي: على دينهم، وهاجروا إلى الله، ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء، ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده وتصديق موعوده، ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ في أحوالهم كلها، في دينهم ودنياهم.

الآية (60): ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب؛ فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي: لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدَّخر شيئًا لغد، ﴿ اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ أي: الله يقيض لها رزقها على ضعفها، وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم.

الآية (61-63): ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿٦١ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٦٢ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ يقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو؛ لأن المشركين -الذين يعبدون معه غيره- معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومُقدّر آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يُصلح كلًا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستبد بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ يُعبَد غيره؟! ولـِمَ يُتوكل على غيره؟! فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك».