الآية (55): يقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ [طه:131]. وقوله: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال الحسن البصري: بزكاتها، والنفقة منها في سبيل الله. واختاره ابن جرير، وهو القول القوي الحسن. وقوله: ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ أي: ويريد أن يُمِيتَهُم حين يُمِيتُهُم على الكفر، ليكون ذلك أَنَكَى لهم وأشدَّ لعذابهم، عياذًا بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.
الآية (56-57): يُخبِر تعالى نبيه ﷺ عن جَزَعِهم وفَزَعِهم وفَرَقِهم وهَلَعِهم أنهم يحلفون ﴿ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ﴾ يمينًا مؤكدة، ﴿ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ ﴾ أي: في نفس الأمر، ﴿ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ أي: فهو الذي حَمَلَهم على الـحَلِفِ. ﴿ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ﴾ أي: حصنًا يتحصنون به، وحِرزًا يتحرَّزون به، ﴿ أَوْ مَغَارَاتٍ ﴾ وهي التي في الجبال، ﴿ أَوْ مُدَّخَلًا ﴾ وهو السَّرَب في الأرض والنَّفَق. قال ذلك في الثلاثة ابنُ عباس ومجاهد وقتادة.
﴿ لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ أي: يُسرعون في ذهابهم عنكم؛ لأنهم إنما يُخالطونكم كُرْهًا لا مَحبةً، وودُّوا أنهم لا يُخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام؛ ولهذا لا يزالون في هَمٍّ وحَزَن وغَمٍّ؛ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عزٍّ ونَصْر ورفعة.
الآية (58-59): يقول تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ أي ومن المنافقين ﴿ مَنْ يَلْمِزُكَ ﴾ أي: يعيب عليك ﴿ فِي ﴾ قَسْم ﴿ الصَّدَقَاتِ ﴾ إذا فرَّقتها، ويتَّهِمُك في ذلك، وهم المتَّهمُون المأبونون، وهم مع هذا لا يُنْكِرُون للدين، وإنما يُنْكِرُون لحظِّ أنفسهم؛ ولهذا فإن ﴿ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ أي: يغضبون لأنفسهم. وقال قتادة في قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات. وهذا شبيه بما رُوي عن أبي سعيد في قصة ذي الخُوَيصرة لَـمَّا اعترض على النبي ﷺ حين قَسَمَ غنائم حنين، فقال له: اعدِلْ، فإنك لم تَعدل. فقال: «لقد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل» وذكر بقية الحديث [متفق عليه]. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ تضمَّنَت هذه الآية الكريمة أدبًا عظيمًا وسرًّا شريفًا؛ حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكُّل على الله وحده، وهو قوله: ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾ وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول ﷺ وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره.
الآية (60): لَـمَّا ذَكر تعالى اعتراض المنافقين الجهَلة على النبي ﷺ ولَـمْزِهم إيَّاه في قَسْم الصدقات، بيَّن تعالى أنه هو الذي قَسَمَها وبيَّن حكمها، وتولَّى أمرها بنفسه، ولم يَكِلْ قَسْمَها إلى أحد غيره، فجزَّأها لهؤلاء المذكورين: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ إنما قدَّم الفقراء ههنا على البقية؛ لأنهم أحوَج من غيرهم على المشهور، لشدّة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير.
ورُوي عن ابن عباس وغير واحد: أن الفقير هو: الـمُتَعَفِّف الذي لا يسأل الناس شيئًا، والمسكين: هو الذي يسأل ويطوف ويَتَّبِعُ الناس. وقال قتادة: الفقير: من به زَمَانَةٌ، والمسكين: الصحيح الجسم. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس، فتردُّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان». قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يجدُ غنًى يُغنِيه، ولا يُفْطَن له فَيُتَصَدّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا» [متفق عليه].
﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ هم الجُباة والسُّعَاة؛ يستحقون منها قسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تَحْرُمُ عليهم الصدقة؛ لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: أنه انطلق هو والفضل بن عباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة، فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس». ﴿ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ [وهم] أقسام: منهم من يُعطَى ليُسْلِم؛ كما أَعْطَى النبي ﷺ صفوان بن أمية من غنائم حنين [رواه مسلم]، ومنهم من يُعْطَى ليَحْسُن إسلامه، ويَثْبُتَ قلبه؛ كما أَعْطَى يوم حنين أيضًا جماعة من صناديد الطُّلقَاء وأشرافهم: مائةً مائةً من الإبل، ومنهم من يُعطَى لِـمَا يُرجَى من إسلام نُظَرائه، ومنهم من يُعطَى لِيَجْبِيَ الصدقات ممَّن يليه، أو ليدفع عن حَوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي ﷺ؟ فيه خلاف؛ فروي عن عمر، وعامر الشعبي وجماعة: أنهم لا يعطون بعده؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأهله، ومكن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد.
وقال آخرون: بل يعطون؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم. ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ رُوي عن الحسن ومقاتل وعمر بن عبد العزيز وغيرهم أنهم المكاتَبون، وهو قول الشافعي. وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تُعْتَقَ الرقبة من الزكاة، وهو مذهب الإمام أحمد ومالك وإسحاق، أي: إن الرقاب أعَمّ من أن يُعطَى الـمُكَاتَب، أو يَشتري رقبةً فيُعتِقَها استقلالًا.
﴿ وَالْغَارِمِينَ ﴾ وهم أقسام: فمنهم من تحمّل حمالة أو ضَمِن دينًا فلَزِمَه فأَجْحَفَ بماله، أو غَرِمَ في أداء دينه أو في معصية ثم تاب، فهؤلاء يُدْفَع إليهم. والأصل في هذا حديث قَبِيصة بن مخارق [مرفوعًا]: «يا قَبِيصة، إن المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تَحَمَّل حَمَالَةً فحَلَّت له المسألة حتى يصيبها، ثم يُمسك...» الحديث [رواه مسلم].
﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ منهم الغُزاة الذين لا حقَّ لهم في الديوان.
﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ وهو المسافر الـمُجتَاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فَيُعْطَى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال. وهكذا الحكم فيمن أنشأ سفرًا من بلده وليس معه شيء، فَيُعْطَى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه.
﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ أي حكما مقدرًا بتقدير الله وفَرْضِه وقَسْمه ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ أي: بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يفعله ويقوله ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.
الآية (61): يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذُون رسولَ الله ﷺ بالكلام فيه، ويقولون: ﴿ هُوَ أُذُنٌ ﴾ أي: من قال له شيئًا صَدَّقَه فينا، ومن حَدَّثَه صَدَّقَه، فإذا جئناه وحلفنا له صَدَّقَنا؛ روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. ﴿ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾ أي: هو أُذُنُ خير، يعرف الصادق من الكاذب، ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: ويُصدِّق المؤمنين، ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾ أي: وهو حجة على الكافرين؛ ولهذا قال: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.