حجم الخط:

الآيات (55-62)

الآية (55): ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ لما أمر تبارك وتعالى النساء بالحجاب من الأجانب بيَّن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم عند قوله: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور:31] إلى آخرها، وفيها زيادات على هذه. وقوله: ﴿ وَلَا نِسَائِهِنَّ يعني بذلك: عَدَم الاحتجاب من النساء المؤمنات، ﴿ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ يعني به: أرقاءهن من الذكور والإناث، قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به: الإماء فقط. وقوله: ﴿ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا أي: واخشينه في الخلوة والعلانية؛ فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب.

الآية (56): قال البخاري: قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبرِّكون. وروي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار. والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعًا. وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه: عن كعب بن عُجْرَة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» [رواه البخاري]. وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «من صلى علَيّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا».

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ علي» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]. وهذا الحديث دليل على وجوب الصلاة عليه كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء.

الآية (57): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا يقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك، وإيذاء رسوله بعيب أو تنقص، عياذًا بالله من ذلك. قال عِكْرِمة: نزلت في المصورين. في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «يقول الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يَسُبّ الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره». ومعنى هذا: أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر، فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله عز وجل ، فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي. وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا على النبي في تزويجه صفية بنت حُيَي بن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله.

الآية (58): ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا أي: ينسبون إليهم ما هم بُرآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ﴿ فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وهذا هو البهت البين: أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرةُ بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد بَرّأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب، يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين.

الآية (59): يقول تعالى آمرًا رسوله أن يأمر النساء المؤمنات المسلمات -خاصة أزواجَه وبناته لشرفهن- بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب: هو الرداء فوق الخمار. قاله ابن مسعود. قال الجوهري: الجلباب: الملحفة. قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة. وقال محمد ابن سيرين: سألت عَبيدةَ السّلماني عن: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وعن أم سلمة قالت: لما نزلت: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سُود يلبسنها [رواه ابن أبي حاتم وأبو داود وصححه الألباني].﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ أي: إذا فعلن ذلك عُرْفنَ أنَّهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.

الآية (60-62): قال تعالى متوعدًا للمنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر-: ﴿ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال عكرمة وغيره: هم الزناة ههنا، ﴿ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يعني: الذين يقولون: جاء الأعداء، وجاءت الحروب، وهو كذب وافتراء. لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ قال ابن عباس: أي: لنسلطنَّك عليهم. وقال قتادة: لنحرّشَنَّك بهم. وقال السُّدي: لنعلمنّك بهم ﴿ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا أي: في المدينة ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٦٠ مَلْعُونِينَ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين ﴿ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أي: وجدوا ﴿ أُخِذُوا لذلتهم وقلتهم ﴿ وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا . ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه؛ أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.