الآية (56-57): ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ كقوله ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة:4]. وقوله: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ [الفرقان:26].
﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي: آمنت قلوبهم، وصَدَّقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا، وتَوافَقَ قلوبُهم وأقوالُهم وأعمالُهم، ﴿ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يَبِيد.
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ أي: كَفَرَت قلوبهم بالحقِّ، وجَحَدُوا به وكَذَّبُوا به، وخالفوا الرُّسُل، واستكبروا عن اتباعهم ﴿ فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحقِّ؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر:60] أي: صاغرين.
الآية (58-60): يُخبرُ تعالى عمَّن خَرَج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاءَ مرضاته، وطلبَا لِـمَا عنده، وتَرَكَ الأوطان والأهلين والخِلاَّن، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرةً لدين الله، ﴿ ثُمَّ قُتِلُوا ﴾ أي: في الجهاد، ﴿ أَوْ مَاتُوا ﴾ أي: حَتْفَ أَنفِهِم، أي: من غير قِتَال على فُرُشهم، فقد حَصَلُوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء:100].
وقوله: ﴿ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾ أي: ليُجْريَن عليهم من فَضْلِه ورِزْقِه من الجنة ما تَقَرُّ به أعينهم، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ﴾ أي: الجنَّة؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴾ [الواقعة:88-89]، فأخبر أنه يَحصُل له الراحة والرزق وجنة نعيم، كما قال ههنا: ﴿ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾.
ثم قال: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ ﴾ أي: بمن يُهاجِر ويُجاهِد في سبيله، وبمن يَستحِقُّ ذلك، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ أي: يَحْلُمُ ويَصْفَحُ ويَغفِر لهم الذنوب ويُكفِّرُها عنهم بهجرتهم إليه، وتَوَكُّلِهم عليه. فأما من قُتِل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حَيٌّ عند ربه يُرزَق، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران:169]، والأحاديث في هذا كثيرة، وأما من تُوُفّي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تَضَمَّنَت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراءَ الرِّزْق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ ﴾ [سبب النزول]: ذَكَر مقاتل وابن جريج أنها نَزَلَت في سَريَّة من الصحابة، لقوا جَمْعًا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنَصَرَهم الله عليهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾.
الآية (61-62): يقول تعالى مُنَـبِّهًا على أنه الخالق الـمُتَصَرِّف في خلقه بما يشاء؛ كما قال: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٦﴾ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران:26-27]، ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، فتارةً يَطُوْل الليل ويَقصُر النهار؛ كما في الشِّتاء، وتارةً يَطُوْل النهار ويَقصُر الليل؛ كما في الصَّيف. وقوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ بأقوال عباده، ﴿ بَصِيرٌ ﴾ بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم.
ولَـمَّا بيَّن أنه الـمُتَصَرِّف في الوجود، الحاكم الذي لا مُعَقِّب لحكمه، قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ أي: الإله الحقُّ الذي لا تَنبَغِي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم، الذي ما شاء كان وما لم يشأْ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليلٌ لديه، ﴿ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عُبِدَ من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرًّا ولا نفعًا.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ كما قال: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة:255]، وقال: ﴿ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ [الرعد:9]، فكل شيء تحت قَهْره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أَعظَم منه، العَليُّ الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدَّس وتنزَّه، وعز وجل عمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كَبِيرًا.
الآية (63-64): وهذا أيضًا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، وأنه يُرسِل الرياح، فتُثِير سحابًا، فيُمطِر على الأرض الجُرُز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قَحْلَةٌ، ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ﴾ [الحج:5].
﴿ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ﴾ أي: خضراء بعد يُبْسِهَا ومُحُولها. وقد ذُكِر عن بعض أهل الحجاز: أنها تُصْبِح عَقِب المطر خضراء، فالله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الـحَبِّ وإن صَغُر، لا يخفى عليه خافية، فَيُوَصِّلُ إِلَى كُلٍّ مِنْهُ قِسْطَهُ مِنَ الْـمَاءِ فَيُنْبِتُه به؛ كما قال لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان:16] وقال: ﴿ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [النمل:25]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:59]، وقال ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ الآية [يونس:61]. وقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه.