الآية (56-60): ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين، مُبشِّرًا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرًا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله.
﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أُجرة أَطلُبها من أموالكم، وإنما أَفْعَل ذلك ابتغاءَ وجه الله.
﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ أي: طريقًا ومَسْلَكًا وَمَنْهَجًا يَقْتَدي فيها بما جِئتَ به. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ أي: في أمورك كلها كُنْ متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الحديد:3]، الدائم الباقي السَّرْمَدِي الأبدي، الحي القيوم ربُّ كل شيء ومليكه، اجعله ذُخْرك ومَلْجَأك، وهو الذي يُتَوَكَّل عليه ويُفزَع إليه؛ فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومُظفرك؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﱠ [المائدة: 67]. ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: اقرن بين حمده وتسبيحه؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول: «سبحانك اللهم رَبَّنا وبحمدك» [متفق عليه]، أي: أَخْلِص له العبادة والتَّوَكُّل.
﴿ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ أي: لعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يَعزُب عنه مثقال ذرة. ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع، في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ أي: يُدَبِّر الأمر، ويَقضِي الحقَّ، وهو خير الفاصلين. ﴿ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ أي: استعلِم عنه من هو خبير به عالم به فاتَّبِعْه واقْتَدِ به، وقد عُلِم أنه لا أحدَ أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد ﷺ سيدِ وَلَدِ آدم على الإطلاق، في الدنيا والآخرة، قال مجاهد: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ قال: ما أخبرتُك من شيء فهو كما أخبرتُك. وكذا قال ابن جُرَيج.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ ﴾؟ أي: لا نعرف الرحمن ولا نُقرُّ به، وكانوا يُنكرون أن يُسَمّى الله باسمه الرحمن. ﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾؟! أي: لِـمُجَرَّدِ قولك، ﴿ وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾. أما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويُفْرِدُونه بالإلهية ويسجدون له. وقد اتَّفَقَ العلماء -رحمهم الله- على أن هذه السَّجْدة التي في الفرقان مشروعٌ السجودُ عندها لقارئها ومستمعها، والله أعلم.
الآية (61-62): ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ﴾ يقول تعالى ممجِّدًا نفسه، ومعظِّمًا على جميل ما خَلَق في السماء من البروج؛ وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جُبير. وقيل: هي قصور في السماء للحَرَس؛ يُروَى هذا عن علي وابن عباس. والقول الأول أظهر؛ اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحَرَس، فيجتمع القولان. ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ﴾ وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود. ﴿ وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ أي: مضيئًا مشرقًا بنور آخر ونوع آخر وفَنٍّ آخر، غير نور الشمس.
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ أي: يَخلُف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان لا يَفتُران، إذا ذَهَب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذَهَب ذاك. ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ أي: جَعَلهما يتعاقبان توقيتًا لعبادة عباده له، فمن فاته عَمَل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عَمَل في النهار استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى يَبْسُطُ يده بالليل ليَتُوبَ مُسيء النهار، ويَبْسُطُ يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل» [رواه مسلم]. وقال ابن عباس: قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله، أَدرَكَه بالنهار، أو من النهار أَدرَكَه بالليل. وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن. وقال مجاهد وقتادة: ﴿ خِلْفَةً ﴾ أي: مُخْتَلِفَيْن، هذا بسَوَاده، وهذا بضِيَائه.
الآية (63-67): هذه صفات عباد الله ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ أي: بسكينة ووَقَار من غير جبرية ولا استكبار ولا مَرَح، ولا أَشَرٍ ولا بَطَر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانُع تَصَنُّعًا وَرِيَاءً؛ فقد كان سَيِّد وَلَدِ آدم ﷺ إذا مَشَى كأنـَّـمَا يَنْحَطُّ من صَبَب [رواه الترمذي، وصححه الألباني]. وقد كَرِه بعض السلف المشي بِتَضَعُّفٍ وتَصَنُّعٍ.
﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ أي: إذا سَفِهَ عليهم الـجُهَّال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا؛ كما كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حِلْمًا؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ٥٥ ﱠ [القصص: 55].
وروى الإمام أحمد عن النعمان بن مقرن المزني قال: قال رسول الله ﷺ [وسب رجل رجلا عنده، قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام. قال: فقال رسول الله ﷺ: «أما] إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنت وأنت أحق به. وإذا قال له: عليك السلام، قال: لا بل عليك، وأنت أحق به» إسناده حسن. وقال مجاهد: ﴿ سَلَامًا ﴾: قالوا سَدَادًا. وقال سعيد بن جبير: رَدُّوا معروفًا من القول. وقال الحسن: ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾ قال: حُلَمَاء لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حَلُموا: يُصَاحِبون عبادَ الله نهارهم بما تسمعون، ثم ذَكَر أن ليلهم خَير لَيل، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ أي: في عبادته وطاعته؛ كما قال: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات:17-18].
قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ أي: مُلازمًا دائمًا. ولهذا قال الحسن في قوله: ﴿ غَرَامًا ﴾: كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. وكذا قال سليمان التيمي. وقال محمد بن كعب: ما نَعِمُوا في الدنيا؛ إن الله سأل الكفار عن النعمة فلم يَرُدُّوها إليه، فأَغْرَمَهم فأدخلهم النار. ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ أي: بئس المنزل مَنظَرًا، وبئس الَمقيل مقامًا. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ أي: ليسوا بمبذِّرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بُخَلاء على أهْليهم فيقصِّرون في حقِّهم فلا يكفونهم، بل عَدْلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾؛ كما قال: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء:29].