حجم الخط:

الآيات (58-67)

الآية (58): ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعًا حسنًا؛ كما قال: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران:37]. ﴿ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا قال مجاهد وغيره: كالسباخ ونحوها. وقال ابن عباس في هذه الآية: هذا مَثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر. وعن أبي موسى قال: قال رسول الله : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها نقية قَبِلَت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصاب منها طائفة أخرى؛ إنما هي قيعان لا تُمسك ماءً ولا تُنبت كلأً. فذلك مَثل مَن فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فَعَلِم وَعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يَقْبَل هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ به» [متفق عليه].

الآية (59): لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة، وما يتعلق بذلك وما يتصل به، وفرغ منه، شرع تعالى في ذكر قصص الأنبياء -عليهم السلام- الأول فالأولَ، فابتدأ بذكر نوح عليه السلام، فإنه أول رسول إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام. قال ابن إسحاق: ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح، إلا نبي قُتل. قال ابن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عُبدت الأصنام أنّ قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجدَ وصوّروا صور أولئك فيها، ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين: «وَدًّا وسُوَاعًا ويَغُوث وَيَعُوق ونسرًا». فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه وتعالى -وله الحمد والمنّة- رسوله نوحًا يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: من عذاب يوم القيامة إن لقيتم الله وأنتم مشركون به.

الآية (60): ﴿ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي وجدنا عليها آباءنا. وهكذا حالُ الفجارِ؛ إنما يرون الأبرار في ضلالة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:32].

الآية (61-62): ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي: ما أنا ضَالٌّ، ولكن أنا رسولٌ مِن ربِّ كلِّ شيءٍ ومليكِه ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ وهذا شأن الرسول؛ أن يكون بليغًا فصيحًا ناصحًا بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم: أن رسول الله قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعا: «أيها الناس، إنكم مسؤولون عنِّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك بلَّغت وأدَّيت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتُها عليهم ويقول: «اللهم اشهد، اللهم اشهد».

الآية (63-64): يقول تعالى إخبارًا عن نوح أنه قال لقومه: ﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي: لا تعجبوا من هذا؛ فإن هذا ليس يعجَب أن يُوحِي الله إلى رجل منكم، رحمةً بكم ولُطفًا وإحسانًا إليكم، لإنذاركم ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . قال الله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ أي: تمادَوْا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل كما نص عليه تعالى في موضع آخر.

﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وهي السفينة؛ كما قال: ﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت:15]. ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كما قال: ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [نوح:25]. وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ أي: عن الحق، لا يبصرونه ولا يهتدون له. فبيَّن تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴿٥١ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51، 52]. وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة؛ أن العاقبة للمتقين والظَّفَر والغَلَب لهم؛ كما أهلك قوم نوح بالغرق، ونجّى نوحًا وأصحابه المؤمنين.

الآية (65): يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحًا، كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا. قال ابن إسحاق: هم ولد عاد بن إرَم بن عوص بن سام بن نوح. قلت: وهؤلاء هم عاد الأولى، الذين ذكرهم الله، وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العَمَد في البر، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴿٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ [الفجر:6-8] وذلك لشدة بأسهم وقوتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:15]. وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل.

الآية (66-67): ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الملأ هم: الجمهور والسادة والقادة منهم. ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ أي: في ضلالة حيث دعوتنا إلى ترك عبادة الأصنام، والإقبال إلى عبادة الله وحده، كما تعجّب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]. ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه.