الآية (58-63): قوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ﴾ أي: حُطامًا، كَسَّرَها كلَّها ﴿ إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ ﴾ يعني: إلا الصَّنَم الكبير عندهم كما قال: ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴾ [الصافات:93].
﴿ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾ ذكروا أنه وَضَعَ القَدُوم في يَدِ كبيرهم، لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غَارَ لنفسه، وأَنِفَ أن تُعبَدَ معه هذه الأصنام الصغار، فكَسَّرَها.
﴿ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها ﴿ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: في صنيعه هذا؟! ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾ أي: قال من سَمِعَه يَحْلِف أنه لَيَكِيدَنَّهُمْ: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى ﴾ أي: شابًّا ﴿ يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾ قال ابن عباس: ما بَعَثَ الله نبيًّا إلا شابًّا، ولا أُوتي العلم عالمٌ إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾.
﴿ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ ﴾ أي: على رءوس الأشهاد في الملإ الأكبر بحَضرَة الناس كلِّهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم: أن يَتَبَيَّنَ في هذا الـمَحْفِل العظيم كثرة جهلهم وقِلَّة عقلهم في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرًّا، ولا تملك لها نصرًا، فكيف يُطْلَب منها شيء من ذلك؟! ﴿ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿٦٢﴾ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا ﴾ يعني: الذي تركه لم يَكْسِرْهُ، ﴿ فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ وإنما أراد بهذا أن يُبَادروا من تِلقَاء أنفسهم، فيَعتَرِفُوا أنهم لا ينطقون؛ فإن هذا لا يَصدُر عن هذا الصَّنَم لأنه جماد. وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم عليه السلام لم يَكذِب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله: قوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا ﴾، وقوله: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾ [الصافات:89]» قال: «وبينا هو يسير في أرض جَبَّار من الجبابرة ومعه سارة، إذْ نَزَلَ منزلًا، فأتى الـجَبَّارَ رجلٌ، فقال: إنه قد نَزَلَ بأرضك رجل معه امرأة أَحسَن الناس، فأرسلَ إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي. قال: فاذهب فأرسلْ بها إليَّ، فانطلَق إلى سارة فقال: إن هذا الجبَّارَ سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تُكَذِّبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وأنه ليس في الأرض مُسْلِم غَيْرِي وغَيْرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يُصَلِّي. فلمَّا أن دَخَلَتْ عليه فرآها أهوى إليها، فتناولها، فأُخِذَ أخْذًا شديدًا، فقال: ادْعِي الله لي ولا أَضُرُّك، فدَعَتْ له فأُرْسِلَ، فأهوى إليها فتناولها فأُخِذَ بمثلها أو أَشَدّ. ففعل ذلك الثالثة فأُخِذَ، فذَكَرَ مثل الـمَرَّتَيْن الْأُولَيَيْن، فقال: ادْعِي الله فلا أَضُرُّك. فدَعَتْ له فأُرْسِلَ، ثم دعا أدنى حُجَّابه، فقال: إنك لم تأتني بإنسان، وإنما أتيتني بشيطان، أَخْرِجْها وأَعْطِها هَاجَرَ، فأُخْرِجَت وأُعْطِيَت هَاجَرَ، فأَقْبَلَت، فلمَّا أحسَّ إبراهيم بمجيئها انْفَتَلَ من صلاته، قال: مَهْيَم؟ قالت: كفى الله كيدَ الكافر الفاجر، وأَخْدَمَني هاجرَ» [متفق عليه].
الآية (64-67): يقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: ﴿ فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: ﴿ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: في تَرْكِكم لها مهملةً لا حافظ عندها. ﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ ﴾ أي: ثم أطرقوا في الأرض فقالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ قال قتادة: أَدْرَكَت القَوْمَ حَيْرَةُ سُوءٍ فقالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾. وقال السدي: ﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ ﴾ أي في الفتنة. وقال ابن زيد: أي في الرأي. وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرةً وعجزًا؛ ولهذا قالوا له: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ فكيف تقول لنا: سَلُوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق؟! فعندها قال لهم إبراهيم لَـمَّا اعترفوا بذلك: ﴿ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴾ أي: إذا كانت لا تَنْطِق، وهي لا تَضُرُّ ولا تنفع، فلِمَ تعبدونها من دون الله.
﴿ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ أي: أفلا تَتَدَبَّرُون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يَرُوج إلا على جاهل ظالم فاجر؟! فأقام عليهم الحجة، وأَلْزَمَهم بها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ الآية [الأنعام:83].
الآية (68-70): لَـمَّا دَحَضَت حُجَّتُهُم، وبانَ عَجْزهم، وظَهَرَ الحقُّ، واندفع الباطل، عَدَلُوا إلى استعمال جاه مُلْكِهِم، فقالوا: ﴿ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾.
فلمَّا ألقوه قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» كما رواه البخاري عن ابن عباس قال: «حسبي الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين أُلْقِيَ في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران:173].
قال الله: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ عن علي بن أبي طالب: قال: «لا تَضُرِّيه». وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله عز وجل قال: ﴿ وَسَلَامًا ﴾ لآذى إبراهيم بَرْدُها.
وقوله: ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنَبِيِّ الله كيدًا، فكادهم الله ونجاه من النار، ﴿ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ ﴾ [الأعراف:119].
الآية (71-72): يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم، أنه سَلَّمَه الله من نار قومه، وأَخْرَجَه من بين أظهُرهم مُهَاجرًا إلى بلاد الشام، إلى الأرض الـمُقَدَّسَة منها، كما قال أبيُّ بن كعب وأبو العالية.
وقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ قال عطاء ومجاهد: «عَطِيَّة»ً. وقال ابن عباس وقتادة والـحَكَمِ بن عُيينة: النافلة ولد الولد؛ يعني: أن يعقوب ولدُ إسحاق؛ كما قال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود:71]. وقال عبد الرحمن بن زيد: سأل واحدًا فقال: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات:100]، فأعطاه الله إسحاق، وزاده يعقوب نافلةً. ﴿ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ﴾ أي: الجميع أهل خير وصلاح.