الآية (6-8): يقول تعالى مخبرًا عن موسى، حين ذكَّر قومه بأيَّام الله عندهم ونِعَمِه عليهم، إذ أنجاهم من آل فرعون، وما كانوا يَسُومُونَهُم به من العذاب والإذلال، حيث كانوا يَذْبَحُونَ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ، ويتركون إناثهم، فأنْقَذَهم الله من ذلك، وهذه نعمة عظيمة؛ ولهذا قال: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها. وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل ﴿ بَلَاءٌ ﴾ أي: اختبار عظيم. ويُحتمَل أن يكون المراد هذا وهذا، والله أعلم، كما قال تعالى: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف:168].
وقوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ أي: آذَنَكُم وأَعْلَمَكُم بوَعْدِه لكم. ويُحتَمَل أن يكون المعنى: وإذ أَقسَم ربكم وآلَى بِعِزَّته وجلاله وكبريائه؛ كما قال: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأعراف:167]. وقوله: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ أي: لئن شَكَرتم نعمتي عليكم لأزِيدَنَّكُم منها، ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ أي: كَفَرتم النِّعَم وسَتَرْتُـمُوها وجَحَدتموها ﴿ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾؛ وذلك بسَلْبِها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها.
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود، وإن كَفَره من كَفَره؛ كما قال: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ الآية [الزمر:7]، وقال تعالى: ﴿ فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [التغابن:6].
وعن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم، وإِنْسَكُم وجِنَّكُم، كانوا على أَتْقَى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم، وإِنْسَكُم وجِنَّكُم، كانوا على أَفْجَر قلب رجل واحد منكم، ما نَقَصَ ذلك في مُلْكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم، وإِنْسَكُم وجِنَّكُم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأَعطَيتُ كل إنسان مسألته، ما نَقَص ذلك من مُلْكي شيئًا، إلا كما ينقُص المِخْيَط إذا أُدْخِل في البحر» [رواه مسلم]. فسبحانه وتعالى الغني الحميد.
الآية (9): هذا خبر من الله تعالى لهذه الأمة، خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذِّبة للرسل، ممَّا لا يُحصِي عدَدَهم إلا الله عز وجل أتَتْهم رسلهم بالبينات، أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات. وقال عبد الله [ابن مسعود] في قوله: ﴿ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾: كَذَبَ النَّسَّابون. وقال عروة بن الزبير: ما وَجدْنا أحدًا يعرف ما بعد مَعَدِّ بن عدنان.
وقوله: ﴿ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾: اختلف المفسـرون في معناه، فقيل: معناه: أنهم أشاروا إلى أفواه الرُّسل يأمرونهم بالسكوت عنهم، لَـمَّا دعوهم إلى الله عز وجل. وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبًا لهم. وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة: معناه: أنهم كذَّبُوهم ورَدُّوا عليهم قولهم بأفواههم.
قلتُ: ويُؤَيِّد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام: ﴿ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ فكأنَّ هذا تفسير لمعنى ردِّ أيديهم في أفواههم. وقال ابن عباس: لَـمَّا سمعوا كتاب الله عَجبوا، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، وقالوا: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ يقولون: لا نُصَدِّقُكُم فيما جئتم به؛ فإن عندنا فيه شكًّا قويًّا.
الآية (10): يُخبِر تعالى عمَّا دارَ بين الكفار وبين رُسُلِهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لَـمَّا واجهوهم بالشكِّ فيما جاؤوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾ أفي وجوده شك؟! فإن الفِطَر شاهدةٌ بوجوده، ومَجبُولةٌ على الإقرار به، ولكن قد يَعرِض لبعضها شكٌّ واضطراب، فتَحتَاج إلى النظر في الدليل الـمُوْصِل إلى وجوده؛ ولهذا قالت لهم الرسل تُرشِدهم إلى طريق معرفته بأنه فاطر السموات والأرض الذي خَلَقَها وابتدعها على غير مثال سَبَق.
وقالت لهم الرسل: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾، أي: في الدار الآخرة، ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي: في الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ الآية [هود:3]، فقالت لهم الأمم مُحاجِّين في مقام الرسالة، بعد تقدير تسليمهم للمقام الأول، وحاصل ما قالوه: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾ أي: كيف نتبعكم بمجرَّد قولكم، ولَـمَّا نَرَ منكم معجزةً؟! ﴿ فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ أي: خارق نَقْتَرِحُه عليكم.