حجم الخط:

الآيات (6-10)

الآية (6): قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم عليه السلام. ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وهي حواء -عليها السلام- كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1].

وقوله: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ أي: وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام: ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ [الأنعام:143]، ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [الأنعام:144].

وقوله: ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ أي: قدّركم في بطون أمهاتكم ﴿ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ أي: يكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يُخلّق فيكون لحمًا وعظمًا وعصبًا وعروقًا، ويُنفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر، ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14]. وقوله: ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ يعني: ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة -التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد- وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة.

وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلقكم وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك.

﴿ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ أي: فكيف تعبدون معه غيره؟! أين يُذْهَبُ بعقولكم؟!

الآية (7): يقول تعالى مخبرًا عن نفسه تعالى: أنه الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم:8]. وفي صحيح مسلم: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا». وقوله: ﴿ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ أي: لا يحبه ولا يأمر به، ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ أي: يحبه منكم ويزدكم من فضله. ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئًا، بل كلٌ مُطالَبٌ بأمر نفسه، ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أي: فلا تخفى عليه خافية.

الآية (8): قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ أي: عند الحاجة يضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67]. ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12]. وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي: في حال العافية يشرك بالله، ويجعل له أندادًا، ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ أي: قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه: تمتع بكفرك قليلًا. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد؛ كقوله: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم:30]، وقوله: ﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:24].

الآية (9): ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يقول عز وجل: أمَّن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادًا؟! لا يستوون عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113]، وقال ههنا: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا أي: في حال سجوده وفي حال قيامه؛ ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده، كما ذهب إليه آخرون. قال ابن مسعود: القانت المطيع لله ولرسوله. وقال ابن عباس والحسن: ﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ جوف الليل. وقال منصور: بلغَنا أن ذلك بين المغرب والعشاء. وقال الحسن وقتادة: ﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ أوله وأوسطه وآخره. وقوله: ﴿ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ أي: في حال عبادته خائف راج، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب؛ ولهذا قال: ﴿ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ، فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه. عن يحيى البّكَّاء أنه سمع ابن عمر قرأ: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ؛ قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان، وإنما قال ابن عمر ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة، كما روى ذلك أبو عبيدة عنه. وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادًا ليضل عن سبيله؟! ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب؛ وهو العقل.

الآية (10): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه ﴿ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ أي: لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم. ﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ قال مجاهد: فهاجروا فيها، وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان. وقال عطاء في قوله: ﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ : إذا دعيتم إلى المعصية فاهربوا، ثم قرأ: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97].

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ قال الأوزاعي: ليس يُوزن لهم ولا يُكال، إنما يُغرف لهم غرفًا. وقال ابن جريج: بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يُزادون على ذلك. وقال السُّدي: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ يعني: في الجنة.