الآية (6): ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ هذا تأكيد لما تقدم، ومستثنى منه ما تقدم أيضًا؛ لأن هذه الأسوة المثبتة ههنا هي الأولى بعينها. قوله: ﴿ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ تهييج إلى ذلك لكل مؤمن بالله والمعاد.
قوله: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ ﴾ أي: عما أمر الله به، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ كقوله: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [إبراهيم:8]. وقال ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. ﴿ الْحَمِيدُ ﴾ المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيره، ولا رب سواه.
الآية (7): يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ﴾ أي: محبة بعد البِغْضَة، ومودة بعد النّفرة، وأُلفة بعد الفرقة. ﴿ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ﴾ أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فتصبح مجتمعة متفقة؛ كما قال تعالى ممتنًا على الأنصار: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ الآية [آل عمران:103]. وكذا قال لهم النبي ﷺ: «ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟!» [رواه البخاري]. ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه، من أيّ ذنب كان.
الآية (8): ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين؛ كالنساء والضعفة منهم، ﴿ أَنْ تَبَرُّوهُمْ ﴾ أي: تحسنوا إليهم ﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ أي: تعدلوا، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.
[سبب النزول]: عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قُتَيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا...، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي ﷺ، فأنزل الله: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها [رواه أحمد وأصله في الصحيحين].
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ في الحديث: «المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم، وأهاليهم، وما وَلُوا» [رواه مسلم].
الآية (9): ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم العداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم. ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة:51].
الآية (10): تقدم في سورة الفتح ذكر صلح الحديبية[1] الذي وقع بين رسول الله ﷺ وبين كفار قريش، فكان فيه: «على ألا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا» وفي رواية: «على أنه لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا» [رواهما البخاري] فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، قال ابن عباس: كان امتحانهن أن يَشهدْن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله. وقال مجاهد: ﴿ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ فاسألوهن، ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن غضبٌ على أزواجهن أو سَخْطة أو غيره، ولم يؤمِنّ فارجعوهن إلى أزواجهن.
﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا. ﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ هذه الآية هي التي حَرّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة. ﴿ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا ﴾ يعني: أزواج المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة. قاله ابن عباس.
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يعني: إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن، أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. قوله: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ تحريم من الله عز وجل على عباده المؤمنين نكاح المشركات، والاستمرار معهن. [سبب النزول]: عن المسور ومَرْوان بن الحكم أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاء نساءٌ من المؤمنات، فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ إلى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾، فطلق عمر يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية [رواه البخاري]. ﴿ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ﴾ أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار إن ذهبن، وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. ﴿ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ﰀﰁ ﰂ ﰃ﴾ أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه، ﴿ﰅ ﰆ ﰇ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك.
الآية (11): ﴿ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ﴾ قال مجاهد، وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرت إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها. قال الزهري: أقر المؤمنون بحكم الله، فأدّوا ما أُمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله للمؤمنين به: ﴿ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ﴾ فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأةٌ من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رَدّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العَقب الذي بأيديهم، الذي أُمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمنّ وهاجرنَ، ثم ردوا إلى المشركين فضلًا إن كان بقي لهم. والعقب: ما كان بقي من صداق نساء الكفار حين آمنّ وهاجرن. وقال ابن عباس: يعني إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق. وهكذا قال مجاهد: ﴿ﰐ﴾ أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم ﴿ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ﴾ يعني: مهر مثلها. وهذا لا ينافي الأول؛ لأنه إن أمكن الأول فهو أولى، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار. وهذا أوسع، وهو اختيار ابن جرير.