الآية (6): أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض؛ صغيرها وكبيرها، بحريّها وبرّيها، وأنه يعلم ﴿ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ أي: يعلم أين مُنتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه مِن وكْرِها، وهو مستودعها. وقال ابن عباس: ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا ﴾ أي: حيث تأوي، ﴿ وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ حيث تموت. وعن مجاهد: ﴿ مُسْتَقَرَّهَا ﴾ في الرحم ﴿ وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ في الصلب، وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام:38].
الآية (7): يخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قدَّر[1] مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» [رواه مسلم]. وقال مجاهد: ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾ قبل أن يخلق شيئًا. وقال قتادة: ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض. وقال ابن إسحاق في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾: فكان كما وصف نفسه تعالى؛ إذ ليس إلا الماء وعليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والرحمة والنعمة، الفعال لما يريد. قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، ولم يخلق ذلك عبثًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص:27]. وقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾ أي: ليختبركم ﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ ولم يقل: أكثر عملًا، بل ﴿ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل على شريعة رسول الله ﷺ. فمتى فَقَد العملُ واحدًا من هذين الشرطين بَطَلَ وحَبِطَ. ﴿ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم بعد مماتهم كما بدأهم، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [العنكبوت:61]، وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة، الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون من البداءة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم:27]. وقولهم: ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: يقولون كفرًا وعنادًا: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر ذلك إلا مَنْ سَحَرْتَهُ، فهو يتبعك على ما تقول.
الآية (8): ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ﴾ يقول تعالى: ولئن أخّرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود وأمد محصور، وأوعدناهم به إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبًا واستعجالًا: ﴿ مَا يَحْبِسُهُ ﴾ أي: يؤخر هذا العذاب عنا؟! فإن سجاياهم قد أَلِفَت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد. و«الأُمّة» تُستعمل في القرآن والسنة في مَعانٍ متعددة، فيُراد بها: الأمد؛ كقوله في هذه الآية: ﴿ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ﴾، وتستعمل في الإمام المقتدَى به؛ كقوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل:120]، وتستعمل في الملة والدين؛ كقوله إخبارًا عن المشركين أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:23]. وتستعمل في الجماعة؛ كقوله: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ [القصص:23]، وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [يونس:47] والمراد من الأمة ههنا: الذين يبعث فيهم الرسول؛ مؤمنهم وكافرهم، كما في صحيح مسلم: «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» وأما أمة الاتباع فهم المصدقون للرسل؛ كما قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأعراف:159].
الآية (9-11): يخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة -إلا مَن رحم الله من عباده المؤمنين- أنه إذا أصابته شدة بعد نعمة حصل له يأس وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل، وكفرٌ وجحود لماضي الحال؛ كأنه لم يرَ خيرًا، ولم يَرْج بعد تلك فرجًا. وهكذا إن أصابته نعمة بعد نقمة ﴿ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ﴾ أي: يقول: ما بقي ينالني بعد هذا ضَيْم ولا سُوء ﴿ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ أي: فرح بما في يده، بَطِرٌ فخور على غيره. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ أي: على الشدائد والمكاره ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي: في الرخاء والعافية ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ أي: بما يصيبهم من الضراء ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ بما أسلفوه في زمن الرخاء؛ كما جاء في الحديث: «والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هَمٌّ ولا غَمٌّ، ولا نَصَب ولا وَصَب، ولا حَزَن حتى الشوكة يشاكها، إلا كَفَّرَ اللهُ عنه بها من خطاياه» [متفق عليه].
الآية (12): يقول تعالى مُسَلّيًا لرسوله ﷺ، عما كان يتعنَّت به المشركون، فيما كانوا يقولونه عن الرسول: ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿٧﴾ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ [الفرقان:7-8]. فأمر الله تعالى رسوله ﷺ وأرشده إلى ألا يضيق بذلك منهم صَدْرُه، ولا يصدنّه ذلك ولا يَثْنينه عن دعائهم إلى الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ [الحجر:97]، وقال ههنا: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا ﴾ أي: لقولهم ذلك؛ فإنما أنت نذير، ولك أسوة بإخوانك من الرسل قبلك، فإنهم كُذِّبُوا وأوذُوا، فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل.