الآية (6): يقول تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ أي: هؤلاء المكذبون ﴿ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾ أي: بالعقوبة، فكانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله؛ وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم. ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ﴾ أي: قد أوقعنا نقمتنا بالأمم الخالية وجعلناهم مُثْلة وعبرة وعِظة لمن اتعظ بهم. ثم أخبر تعالى أنه لولا حِلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [فاطر:45]، وقال تعالى في هذه الآية: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ﴾ أي: إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام:147].
الآية (7): يقول تعالى إخبارًا عن المشركين أنهم يقولون كفرًا وعنادًا: لولا يأتينا بآية من ربه كما أُرسل الأولون، كما تَعَنَّتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يزيل عنهم الجبال، ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا. قال الله: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ قال ابن عباس في تفسيرها: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم. وعن مجاهد: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي: نبي. كما قال: ﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر:24]. وقال مالك: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾: من يدعوهم إلى الله عز وجل.
الآية (8-9): يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ [لقمان:34] أي: ما حَمَلَتْ من ذكر أو أنثى، أو حَسَن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ خَلْقَ أحدكم يُجمع في بَطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُبعث إليه ملَك فيؤمر بأربع كلمات: يكْتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ﴾ يعني: السَّقْط ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى. وقال مجاهد: ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد على تسعة أشهر. وقال قتادة: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ أي: بأجل؛ حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلًا معلومًا. قوله: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء. ﴿ الْكَبِيرُ ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء ﴿ الْمُتَعَالِ ﴾ أي: على كل شيء؛ قد أحاط بكل شيء علمًا، وقهر كل شيء، فخضعَت له الرقاب ودان له العباد، طوعًا وكرهًا.
الآية (10): يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسرَّ قوله أو جهر به، فإنه يسمعه، لا يخفى عليه شيء؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه:7]. قوله: ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ أي: مُختفٍ في قَعْر بيته في ظلام الليل، ﴿ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ أي: ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه؛ فإن كليهما في علم الله على السَّواء، كقوله: ﴿ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [هود:5].
الآية (11): قوله: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حَرَسٌ بالليل وحَرَسٌ بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر؛ فهو بين أربعة أملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلاً. وقال ابن عباس: المعقبات من أمر الله، وهي الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خَلَّوا عنه. وقال مجاهد: ما من عبد إلا له مَلَك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال الملك: وراءك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. وقوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ قيل: المراد حِفظُهم له من أمر الله. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك يَذُود عنه، حتى يُسْلِمه للذي قُدِّر له.
الآية (12): يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يُرى من النور اللامع ساطعًا من خَلَل السحاب. قوله: ﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ قال قتادة: خوفًا للمسافر؛ يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله. ﴿ وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾ أي: ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض. قال مجاهد: والسحاب الثقال: الذي فيه الماء.
الآية (13): ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ [الإسراء:44]. روي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سَبَّحتَ له. وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبّح الرعدُ بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا لوعيد شديدٌ لأهل الأرض. [رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني].
قوله: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: يرسلها نِقمَةً ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تَكْثُرُ في آخر الزمان.
قوله: ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ﴾ أي: يَشُكّون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو. قوله: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ قال ابن جرير: شديدة مماحَلَته في عقوبة من طغى عليه وعَتَا وتمادى في كفره. وعن علي: أي: شديد الأخذ. وقال مجاهد: شديد القوة.