حجم الخط:

الآيات (6-13)

الآية (6): ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ وقد فَعَل تعالى ذلك بهم؛ كما قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف:137]، وقال: ﴿ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:59]، أراد فرعون بحَوْلِهِ وقُوَّته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قَدَر الملِك العظيم الذي لا يُخَالَفُ أَمْرُه القدري، بل نَفَذَ حُكْمُه وجَرَى قَلَمُه في القِدَم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزتَ من وجوده، وقَتَلْتَ بِسَببه ألوفًا من الولدان، إنَّما منشؤه ومُرَبَّاه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تُرَبِّيهِ وتُدَلِّلُـه وتَتَفَدَّاه، وحَتْفُك وهَلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتَعْلَمَ أن ربَّ السموات العُلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد الـمِحَال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

الآية (7-9): ذَكَرُوا أن فرعون لَـمَّا أَكْثَرَ من قَتْل ذكور بني إسرائيل، خافت القِبْط أن يُفْنيَ بني إسرائيل، فَيَلُون هم ما كانوا يَلُونَه من الأعمال الشَّاقَّة. فقالوا لفرعون: إنه يُوشِك -إن استمرَّ هذا الحال- أن يَموت شيوخهم، وغلمانهم لا يَعيشون، ونساؤهم لا يُمكِن أن يَقُمْن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيَخْلُص إلينا ذلك. فأَمَرَ بقَتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فوُلِدَ هارون عليه السلام في السَّنة التي يَتْرُكُون فيها الولدان، ووُلِدَ موسى عليه السلام في السَّنة التي يَقْتُلون فيها الولدان، فلمَّا ضاقت [أم موسى] ذَرْعًا به أُلْهِمَتْ في سِرِّها، وأُلْقِي في خَلَدِها، ونُفِثَ في رُوْعها كما قال الله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ؛ وذلك أنه كانت دارها على حَافَّة النِّيل، فاتَّخَذَت تابوتًا، وَمَهَّدَتْ فيه مَهْدًا، وجَعَلَتْ تُرْضِع وَلَدَها، فإذا دَخَل عليها أحد ممَّن تَخَاف جَعَلَته في ذلك التَّابوت، وسيَّرَته في البحر، وربطته بحَبْل عندها. فلمَّا كان ذات يوم دَخَل عليها من تخافه، فذَهَبَت فوَضَعَته في ذلك التَّابوت، وأَرسَلَته في البحر وذَهَلَتْ عن أنْ تَرْبِطه، فذَهَبَ مع الماء واحتمله، حتى مَرَّ به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتمَلْنَه، فذَهَبْنَ به إلى امرأة فرعون، ولا يَدْرِين ما فيه، وخَشِينَ أن يَفْتَتْنَ عليها في فتحه دونها. فأَوقَع الله محبَّتَه في قلبها حين نَظَرت إليه؛ وذلك لسعادتها وما أراد الله مِن كَرَامتها وشَقَاوة بَعْلِها؛ ولهذا قال: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا معناه: أن الله قَيَّضَهم لالتقاطه ليَجْعَلَه لهم عَدوًّا وحَزَنًا فيكون أَبْلَغ في إبطال حَذَرِهم منه؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ . وقوله: ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يعني: أن فرعون لَـمَّا رآه هم بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل، فجَعَلَت امرأته آسية بنت مزاحم تُحَاجُّ عنه وتَذُبُّ دونه، وتُحَبِّبُه إلى فرعون، فقالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ فقال: أما لك فَنَعَم، وأما لي فلا. فكان كذلك، وهداها الله به، وأهْلَكَه الله على يديه.

وقوله: ﴿ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا وقد حَصَل لها ذلك، وهَدَاها الله به، وأسْكَنَها الجنة بسببه. وقولها: ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا أي: أرادت أن تَتْخِذَه وَلَدًا وتَتَبَنَّاه، وذلك أنه لم يكن لها وَلَدٌ منه.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إيَّاه، من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة.

الآية (10-13): يقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أم موسى، حين ذَهَب وَلَدُها في البحر، أنه أصبح فارغًا، أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى. قاله ابن عباس ومجاهد وعِكْرِمة وسعيد بن جُبَيْر وغيرهم. ﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي: إن كَادَت من شِدَّة وَجْدِها وحُزْنِها وأَسَفِها لَتُظهر أنَّه ذَهَب لها وَلَد، وتُخبِر بحالها، لولا أن الله ثَبَّتها وصَبَّرها.

قال الله تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ أي: أَمَرَتْ ابنتها -وكانت كبيرة تَعِي ما يُقَال لها- فقالت لها: ﴿ قُصِّيهِ أي: اتْبَعِي أَثَرَه، وخُذِي خَبَره، وتَطَلَّبي شأنه من نواحي البلد. فخَرَجَت لذلك، ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ قال ابن عباس: عن جانب. وقال مجاهد: عن بعيد. قال تعالى: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ أي: تحريمًا قَدَريًّا، وذلك لكَرَامة الله له صَانَه عن أن يَرتَضِع غير ثدي أمه؛ ولأن الله جعل ذلك سَبَبًا إلى رجوعه إلى أمه، لتُرضِعَه وهي آمنةٌ، بعدما كانت خائفة.

فلمَّا رأتْهم أخته حائرين فيمن يُرضِعه قالت: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ . قال ابن عباس: فلما قالت ذلك أخذوها وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته. فأرسلوها، فلمَّا قالت لهم ذلك وخَلَصت من أذاهم، ذَهَبوا معها إلى منزلهم، فدَخَلوا به على أمه، فأعطته ثديها فالتقمه، ثم سألتها آسية أن تُقِيم عندها فتُرْضِعه، فأَبَتْ عليها، وقالت: إن لي بَعْلًا وأولادًا، ولا أَقْدِر على الـمَقَام عندك. ولكن إن أحْبَبْتِ أن أُرضِعَه في بيتي فَعَلْتُ. فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصِّلات والكسَاوي والإحسان الجزيل.

فرَجَعت أم موسى بولدها راضيةً مرضيةً، قد أَبْدَلَها الله من بعد خوفها أمْنًا، في عِزٍّ وجَاهٍ ورزق دَارٍّ. فسبحان من بيديه الأمر! ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتَّقَاه بعد كل هَمٍّ فَرَجًا، وبعد كل ضِيقٍ مَخرَجًا. ولهذا قال تعالى: ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا أي: به، ﴿ وَلَا تَحْزَنَ أي: عليه، ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: فيما وَعَدَهَا مِن رَدِّه إليها، وجعله من المرسلين. فحينئذٍ تَحَقَّقَت بِرَدِّهِ إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشَرعًا. وقوله: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أي: حِكَمَ الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربَّمَا يقع الأمر كريهًا إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﱡﭐ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ [البقرة: 216]، وقال تعالى: ﱡﭐ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19].