الآية (6): قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ كقوله تعالى: {﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ٨١ كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ [مريم: 81، 82] أي: سيَخُونُونَهُم أَحْوَجَ ما يكونون إليهم، وقال الخليل عليه السلام: ﴿ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [العنكبوت: 25].
الآية (7-9): يقول عز وجل مُخْبِرًا عن المشركين في كُفرهم وعنادهم: أنهم إذا تُتْلى عليهم آيات الله بيناتٍ؛ أي: في حال بيانها ووُضُوحها وجَلائها، يقولون: ﴿ هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: سِحْرٌ واضح، وقد كَذَبوا وافتروا وضَلُّوا وكفروا، ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ يعنون: محمدًا ﷺ. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أي: لو كَذَبْتُ عليه وزَعَمْتُ أنه أرسلني -وليس كذلك- لعاقبني أشَدَّ العقوبة، ولم يَقْدرْ أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم، أن يُجِيرَنِي منه؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد.
وقوله: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة؛ أي: ومع هذا كُلِّه إن رجعتُم وتُبْتُم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغَفَر لكم ورَحِم. وقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أي: لستُ بأوَّل رسول طَرَق العالم، بل قد جاءت الرُّسُل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتَستَبعدوا بَعْثَتِي إليكم؛ فإنه قد أَرسَل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾: ما أنا بأوَّل رسول. ولم يَحْكِ ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.
﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾ قال ابن عباس في هذه الآية: نَزَلَ بعدها: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح:2]. وهكذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إنها منسوخة بقوله: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح:2]. وقال الضحاك: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ﴾: ما أدري بماذا أُوْمَرُ، وبماذا أُنْهَى بعد هذا؟! وقال الحسن البصري: أما في الآخرة فمَعَاذ الله؛ قد عَلِمَ أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم في الدنيا، أُخْرَجُ كما أُخْرِجَتِ الأنبياء من قبلي؟! أم أُقْتَلُ كما قُتِلَتِ الأنبياء من قبلي؟! ولا أدري أَيُخْسَفُ بكم أو تُرمَون بالحجارة؟! وهذا القول هو الذي عَوَّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شكَّ أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يَدْرِ ما كان يؤُول إليه أَمْرُه وأَمْرُ مشركي قريش إلى ماذا: أيؤمنون أم يكفرون، فيُعَذَّبُون فيُسْتَأْصَلُون بكفرهم؟! عن أم العلاء -وكانت بايعت رسول الله ﷺ -قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون. فاشتكى عثمان عندنا فمرّضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك أن الله أكرمه؟!» فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله ﷺ: «أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي!» قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك عمله». انفرد بإخراجه البخاري. وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يُقْطَعُ لِـمُعَيَّن بالجنة إلا الذي نَصَّ الشارع على تعيينهم؛ كالعشرة، وابن سلَّام، والغُميصاء، وبلال، وسُرَاقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقُرَّاء السبعين الذين قُتِلُوا ببئر مَعُونَة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة وما أشبه هؤلاء y. وقوله: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ﴾ أي: إنَّمَا أتَّبِع ما يُنَزِّله الله عليَّ من الوحي، ﴿ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ أي: بيِّن النّذَارة، وأمري ظاهر لكل ذي لُبٍّ وعَقْلٍ.
الآية (10-14): يقول تعالى: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ ﴾ هذا القرآن ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ أي: ما ظَنُّكم أن الله صانعٌ بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتُكم به قد أَنْزَلَه عليَّ لأُبَلِّغَكُموه وقد كَفَرتم به وكَذَّبتموه؟!
﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ ﴾ أي: هذا الذي شَهِدَ بِصِدْقه من بني إسرائيل لمعرفته بحَقِّيَّتِه، ﴿ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أنتم عن اتباعه. وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنَبِيِّه وكتابه، وكفرتم أنتم بنَبِيِّكُم وكتابكم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. وهذا الشاهد اسم جنس يَعُمُّ عبد الله بن سلام وغيره؛ فإن هذه الآية مكية نَزَلَت قبل إسلام عبد الله بن سلام. واختاره ابن جرير. وعن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: «إنه من أهل الجنة»، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نَزَلَت: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ ﴾ [متفق عليه]. وكذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد الله ابن سلام وهلال بن يَسَاف والسُّدِّي والثوري ومالك ابن أنس وابن زيد؛ أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ أي: قالوا عن المؤمنين بالقرآن: لو كان القرآن خيرًا ما سَبَقَنا هؤلاء إليه. يعنون بلالًا وعمَّارًا وصُهَيبًا وخَبَّابًا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وَجَاهة وله بهم عِنَاية. وقد غَلِطُوا في ذلك غَلَطًا فَاحِشًا، وأخطؤوا خَطَأً بَيِّنًا. وأهل السنة والجماعة يقولون في كل فِعْل وقول لم يَثْبُتْ عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرًا لسَبَقُونَا إليه؛ لأنهم لم يَتْرُكُوا خَصْلةً من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها. وقوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ أي: بالقرآن ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ ﴾ أي: كَذِب ﴿ قَدِيمٌ ﴾ أي: مأثور عن الأقدمين، فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكِبر الذي قال رسول الله ﷺ: «بَطَرُ الحقِّ، وغَمْط الناس» [رواه مسلم].
﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ ﴾ وهو التوراة ﴿ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَٰذَا كِتَابٌ ﴾ يعني: القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ ﴾ أي: لِـمَا قبله من الكُتُب ﴿ لِسَانًا عَرَبِيًّا ﴾ أي: فصيحًا بَيِّنًا واضحًا، ﴿ لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: مشتمل على النّذَارَة للكافرين والبشارة للمؤمنين.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ تقدم تفسيرها في سورة «حم، السجدة». ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: فيما يَسْتَقْبِلُون، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما خَلَّفُوا، ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي: الأعمال سَبَبٌ لِنَيْلِ الرحمة لهم وسُبُوغها عليهم.