حجم الخط:

الآيات (6-25)

الآية (6-12): ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا أي: هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صِرفًا بلا مزج ويَرْوَوْنَ بها. ﴿ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا أي: يتصرفون فيها حيث شاؤوا وأين شاؤوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. قال مجاهد: يقودونها حيث شاؤوا. وقال الثوري: يصرفونها حيث شاؤوا. ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، رواه البخاري. ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شرُّه مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رَحِمَ الله. قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار -والله- شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السموات والأرض. ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ الأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له، قاله مجاهد، واختاره ابن جرير. ﴿ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير؛ فقال سعيد بن جبير والحسن والضحاك: الأسير: من أهل القبلة. وقال ابن عباس: كان أُسَراؤهم يومئذ مشركين. وقال عكرمة: هم العبيد -واختاره ابن جرير- لعموم الآية للمسلم والمشرك. ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أي: رجاءَ ثواب الله ورضاه، ﴿ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا عند الناس. ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه، في اليوم العبوس القمطرير. قال ابن عباس ﴿ عَبُوسًا ضيقًا ﴿ قَمْطَرِيرًا طويلًا. وقال عكرمة: أي: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عَرَق مثل القَطرَان. وقال سعيد ابن جبير: تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿ قَمْطَرِيرًا تقليص الجبين وما بين العينين من الهول. وأوضح العبارات وأجلاها وأولاها قولُ ابن عباس. ﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ أي: آمنهم مما خافوا منه، ﴿ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً أي: في وجوههم، ﴿ وَسُرُورًا أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري؛ وذلك أن القلب إذا سُرَّ استنار الوجه. قال كعب بن مالك: وكان رسول الله إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قَمَر [متفق عليه]. ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونَوّلهم وبوّأهم ﴿ جَنَّةً وَحَرِيرًا أي: منزلًا رحبًا، وعيشًا رَغَدًا، ولباسًا حَسَنًا.

الآية (13-22): يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العَميم فقال: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ تقدم الكلام على ذلك في سورة «الصافات»[1]، وذكر الخلاف في الاتكاء: هل هو الاضطجاع، أو التمرفق، أو التربع أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السُّرر تحت الحجال. ﴿ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا أي: ليس عندهم حَرّ مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد دائم سَرْمَديّ، ﴿ لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108] ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا أي: قريبة إليهم أغصانها، ﴿ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا أي: متى تعاطاه دنا القطْفُ إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع. ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ أي: يطوف عليهم الخَدَم بأواني الطعام، وهي من فضة، وأكواب الشراب، وهي الكِيزان التي لا عُرَى لها ولا خراطيم. ﴿ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴿١٥ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قال ابن عباس ومجاهد والحسن: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يُرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. ﴿ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا أي: على قدر رِيِّهم، لا تزيد عنه ولا تنقص، بل هي مُعَدّة لذلك، مقدرة بحسب ريّ صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، وقاله ابن جرير. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال ابن عباس: ﴿ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا قُدّرت للكف. وقال الضحاك: على قدر أكُفّ الخُدّام. وهذا لا ينافي القول الأول؛ فإنها مقدرة في القَدْر والرّي. ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا أي: ويسقون -يعني الأبرار أيضًا- في هذه الأكواب ﴿ كَأْسًا أي: خمرًا، ﴿ كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا فتارة يُمزَج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يُمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة. ﴿ عَيْنًا فِيهَا أي: الزنجبيل عين في الجنة ﴿ تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا قال عكرمة: اسم عين في الجنة. وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحِدّة جَريها. وحكى ابنُ جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحَلْق. واختار هو أنها تَعُمّ ذلك كلَّه، وهو كما قال. ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا أي: يطوف على أهل الجنة للخِدْمَة وِلدانٌ من ولدان الجنة ﴿ مُخَلَّدُونَ أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن. ﴿ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحُسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤًا منثورًا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ أي: وإذا رأيت يا محمد، ﴿ ثَمَّ أي: هناك، يعني في الجنة ونعيمها وسَعَتِها وارتفاعها وما فيها من الحَبْرَة والسرور، ﴿ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا أي: مملكةً لله هُناك عظيمةً وسلطانًا باهرًا. ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس. ﴿ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ هذه صفة الأبرار. ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا أي: طهر بواطنهم من الحَسَد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الرّديَّة. ﴿ إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم. ﴿ أي: جزاكم الله على القليل بالكثير.

الآية (23-25): يقول تعالى ممتنًّا على رسوله بما نَزّله عليه من القرآن العظيم تنزيلا: ﴿ أي: كما أكرمك بما أنزل عليك، فاصبر على قضائه وقَدَره، واعلم أنه سَيُدَبّرك بحسن تدبيره، ﴿ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صَدّك عما أنزل إليك، بل بَلّغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس. فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه. ﴿ أي: أولَ النهار وآخره.