حجم الخط:

الآيات (6-9)

الآية (6): قال كثيرون من السلف: قوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ معناه: وأنتم مُحْدِثون. وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أَعمُّ من ذلك؛ فالآية آمرةٌ بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حقِّ الـمُحْدِث واجب، وفي حق الْـمُتَطَهِّرِ نَدْب. عن بُرَيْدة قال: كان النبي يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خُفَّيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: يا رسول الله، إنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! قال: «إني عَمْدًا فَعَلْتُه يا عمر» [رواه مسلم]. وقد استدل طائفة من العلماء بقوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها. وفي الحديث: «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه]. ويُستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه؛ لما ورد في الحديث من طرق جيدة، عن جماعة من الصحابة، عن النبي أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» [رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني]. ويُستَحَب أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لِـما ثَبَت عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «إذا استيقظ أحدكم من نَوْمِه، فلا يُدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثًا؛ فإن أحدَكم لا يَدْرِي أين باتت يده» [متفق عليه]. وحَدُّ الوجه عند الفقهاء: ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصَّلع ولا بالغَمَم- إلى منتهى اللَّحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا. وقد ثبت عن النبي من غير وجه في الصحاح وغيرها: أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق. وقوله: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ أي: مع المرافق. ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ اختلفوا في هذه (الباء) هل هي للإلصاق -وهو الأظهَر- أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين. ومن الأصوليين من قال: هذا مُجْمَل، فليُرْجَع في بيانه إلى السنّة، وقد ثبت [عن] عبد الله بن زيد [رَفَعَه أنه]: مسح بيديه فأقبل بهما وأدبر، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رأسه، ثم ذَهَبَ بهما إلى قَفَاهُ، ثم رَدَّهما حتى رَجَع إلى المكان الذي بدأ منه [متفق عليه]. ففي [هذا] دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس. وقوله: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ بالنَّصب عطفًا على ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ومن ههنا ذَهَب من ذَهَب إلى وجوب الترتيب في الوضوء كما هو مذهب الجمهور، ومنهم من قال: لما ذكر تعالى هذه الصفة وأدخل الممسوح بين المغسولين، دلَّ ذلك على إرادة الترتيب. وأما القراءة الأخرى وهي قراءة من قرأ: (وأرْجُلِكم) بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. [ودلَّت] السُّنة الثابتة [على] وجوب غسل الرجلين. وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض: إما على المجاورة وتناسُب الكلام، [وإما أنها] محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخُفّان، ومَن أوجب من الشيعة مسحهما كما يُمسح الخفُّ، فقد ضلَّ وأضلَّ.

وقوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ الآية، [سبب النزول]: عن عائشة قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله وحَضَرَت الصبحُ، فالتُمِس الماء فلم يُوجَد، فنَزَلت: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية، فقال أسَيْد بن الحُضَير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر؛ ما أنتم إلا بركة لهم. [رواه البخاري]. ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أي: فلهذا سهَّل عليكم ويَسَّر ولم يُعَسِّر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فَقْد الماء، توسعةً عليكم ورحمةً بكم. ﴿ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: نِعَمَه عليكم فيما شَرَعه لكم من التوسعة والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وَرَدت السنة بالحثِّ على الدعاء عقب الوضوء بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة؛ عن عمر قال: [قال رسول الله ]: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو: فيُسبغ- الوضوء، [ثم] يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة الثمانية، يَدْخُل من أيِّها شاء» [رواه مسلم].

الآية (7-9): يقول تعالى مُذكرًا عباده المؤمنين نعمتَه عليهم في شَرْعِه لهم هذا الدين العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أَخَذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، فقال: ﴿ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله عليها عند إسلامهم، كما قالوا: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثَرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله» [متفق عليه]. ثم قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال. ثم أَعْلَمَهُم أنه يَعْلَم ما يَتَخَالَج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . وقوله: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ أي: كونوا قائمين بالحق لله عز وجل، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ أي: بالعدل لا بالجور. ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا أي: لا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًا؛ ولهذا قال: ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ أي: عَدْلُكم أقرب إلى التقوى من تركه. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وسيجزيكم على ما عَلِم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر؛ ولهذا قال بعده: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۙ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم ﴿ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمةٍ منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.