حجم الخط:

الآيات (60-65)

الآية (60-61): هذا إنكار من الله عز وجل على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله. [سبب النزول]: ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام؛ أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعَمّ من ذلك كله؛ فإنها ذامّةٌ لمن عدَل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا؛ ولهذا قال: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ إلى آخرها.

وقوله: ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا أي: يُعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان:21]، هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51].

الآية (62): ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تَطرُقُهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكُمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52]. عن ابن عباس قال: كان أبو بَرْزَة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إلى قوله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا .الآية (63): ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك؛ فإنه لا تخفى عليه خافية. فاكتَفِ به -يا محمد - فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم؛ ولهذا قال له: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي: لا تعنّفهم على ما في قلوبهم ﴿ وَعِظْهُمْ أي: وانْهَهُم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.

الآية (64): يقول تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ أي: فُرضت طاعته على من أرسله إليهم. وقوله: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني. يعني: لا يطيعهم إلا من وفّقتُه لذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152]. أي: عن أمره وقدَره ومشيئته، وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا .

الآية (65): يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكّم الرسول في جميع الأمور، فما حَكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أي: إذا حكّموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلّمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. عن عُرْوَة قال: خاصم الزبير رجلًا في شَريِج من الحَرَّة، فقال النبي : «اسق يا زُبير، ثم أرْسل الماء إلى جارك» فقال الأنصاري: يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك؟! فَتَلَوَّن وجه رسول الله ، ثم قال: «اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، واستوعى النبي للزبير حَقَّه في صريح الحكم، حين أحفَظَهُ الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [رواه البخاري].