حجم الخط:

الآيات (61-73)

الآية (61-65): ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الضمير في ﴿ وَإِنَّهُ على الصحيح أنه عائد على عيسى عليه السلام؛ فإن السياق في ذِكْره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة؛ كما قال تبارك وتعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي: قبل موت عيسى عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159]، ويُؤَيِّد هذا المعنى القراءة الأخرى: «وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ» أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة، قال مجاهد: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

وهكذا رُويَ عن أبي هريرة وابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. وقد تَوَاتَرَت الأحاديث عن رسول الله أنه أَخْبَر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا، وحَكَمًا مُقْسِطًا.

وقوله: ﴿ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا أي: لا تَشُكُّوا فيها، إنها واقعة وكائنة لا محالة، ﴿ وَاتَّبِعُونِ أي: فيما أُخْبِرُكم به ﴿ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ أي: عن اتباع الحقِّ، ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٢ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ أي: بالنبوة، ﴿ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية. وهذا الذي قاله حَسَن جَيِّد، ثم ردَّ قول من زَعَم أن «بعض» ههنا بمعنى «كل».

وقوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ أي: فيما أَمَرَكُم به، ﴿ وَأَطِيعُونِ فيما جِئْتُكم به، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له.

﴿ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب عز وجل وحده.

وقوله: ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: اختلفت الفِرَق وصاروا شِيَعًا فيه، منهم من يُقِرُّ بأنه عبد الله ورسوله -وهو الحقُّ- ومنهم من يَدَّعِي أنه وَلَد الله، ومنهم من يقول: إنه الله. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.

ولهذا قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ .

الآية (66-73): يقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذِّبون للرُّسُل ﴿ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ؟! أي: فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدِّين، فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذٍ يَندَمُون كل النَّدَم، حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم.

وقوله: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ أي: كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل ؛ فإنه دائم بدوامه. وهذا كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25].

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: صارت كلُّ خُلَّةٍ عداوةً يوم القيامة إلا الـمُتَّقِين.

وقوله: ﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ثم بَشَّرَهم فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لِشَرْع الله جوارحهم وظواهرهم.

قال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يُبْعَثُون لا يبقى أحد منهم إلا فَزِعَ، فيُنَادي منادٍ: ﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ فيَرجُوها الناس كلُّهم، قال: فيُتْبِعُها: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ قال: فيَيْأَسُ الناس منها غير المؤمنين. ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أي: يُقَال لهم: ادخلوا الجنة.

﴿ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ أي: نظراؤكم.

﴿ تُحْبَرُونَ أي: تنعمون وتسعدون.

﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ أي: زَبَادِيِّ آنية الطعام، ﴿ وَأَكْوَابٍ وهي: آنية الشراب، أي: من ذهب لا خراطيم لها ولا عُرًى، ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ أي: طيبَ الطَّعْم والرِّيح.

﴿ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وحسَن الْـمَنْظر.

﴿ وَأَنْتُمْ فِيهَا أي: في الجنة.

﴿ خَالِدُونَ أي: لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حِوَلًا.

ثم قيل لهم على وجه التَّفَضُّل والامتنان: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي: أعمالكم الصالحة كانت سَبَبًا لشمول رحمة الله إيَّاكم؛ فإنه لا يُدْخِلُ أحدًا عملُه الجنَّةَ، ولكن بفضل من الله ورحمته. وإنما الدرجات تفاوتها بحسب عمل الصالحات.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ أي: من جميع الأنواع، ﴿ مِنْهَا تَأْكُلُونَ أي: مهما اخترتم وأردتم. ولَـمَّا ذَكَر الله تعالى الطعام والشراب، ذَكَر بعده الفاكهة لِتَتِمّ النعمة والغِبْطَة.