الآية (61-65): ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ الضمير في ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ على الصحيح أنه عائد على عيسى عليه السلام؛ فإن السياق في ذِكْره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة؛ كما قال تبارك وتعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ أي: قبل موت عيسى عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء:159]، ويُؤَيِّد هذا المعنى القراءة الأخرى: «وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ» أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة، قال مجاهد: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.
وهكذا رُويَ عن أبي هريرة وابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. وقد تَوَاتَرَت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أَخْبَر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا، وحَكَمًا مُقْسِطًا.
وقوله: ﴿ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ أي: لا تَشُكُّوا فيها، إنها واقعة وكائنة لا محالة، ﴿ وَاتَّبِعُونِ ﴾ أي: فيما أُخْبِرُكم به ﴿ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿٦١﴾ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ أي: عن اتباع الحقِّ، ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿٦٢﴾ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ﴾ أي: بالنبوة، ﴿ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية. وهذا الذي قاله حَسَن جَيِّد، ثم ردَّ قول من زَعَم أن «بعض» ههنا بمعنى «كل».
وقوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: فيما أَمَرَكُم به، ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ فيما جِئْتُكم به، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له.
﴿ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب عز وجل وحده.
وقوله: ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ﴾ أي: اختلفت الفِرَق وصاروا شِيَعًا فيه، منهم من يُقِرُّ بأنه عبد الله ورسوله -وهو الحقُّ- ومنهم من يَدَّعِي أنه وَلَد الله، ومنهم من يقول: إنه الله. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
ولهذا قال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾.
الآية (66-73): يقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذِّبون للرُّسُل ﴿ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾؟! أي: فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدِّين، فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذٍ يَندَمُون كل النَّدَم، حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم.
وقوله: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله عز وجل ؛ فإنه دائم بدوامه. وهذا كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [العنكبوت:25].
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: صارت كلُّ خُلَّةٍ عداوةً يوم القيامة إلا الـمُتَّقِين.
وقوله: ﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ثم بَشَّرَهم فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لِشَرْع الله جوارحهم وظواهرهم.
قال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يُبْعَثُون لا يبقى أحد منهم إلا فَزِعَ، فيُنَادي منادٍ: ﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ فيَرجُوها الناس كلُّهم، قال: فيُتْبِعُها: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ قال: فيَيْأَسُ الناس منها غير المؤمنين. ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ أي: يُقَال لهم: ادخلوا الجنة.
﴿ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾ أي: نظراؤكم.
﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ أي: تنعمون وتسعدون.
﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ ﴾ أي: زَبَادِيِّ آنية الطعام، ﴿ وَأَكْوَابٍ ﴾ وهي: آنية الشراب، أي: من ذهب لا خراطيم لها ولا عُرًى، ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ﴾ أي: طيبَ الطَّعْم والرِّيح.
﴿ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ﴾ وحسَن الْـمَنْظر.
﴿ وَأَنْتُمْ فِيهَا ﴾ أي: في الجنة.
﴿ خَالِدُونَ ﴾ أي: لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حِوَلًا.
ثم قيل لهم على وجه التَّفَضُّل والامتنان: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: أعمالكم الصالحة كانت سَبَبًا لشمول رحمة الله إيَّاكم؛ فإنه لا يُدْخِلُ أحدًا عملُه الجنَّةَ، ولكن بفضل من الله ورحمته. وإنما الدرجات تفاوتها بحسب عمل الصالحات.
وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ ﴾ أي: من جميع الأنواع، ﴿ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ أي: مهما اخترتم وأردتم. ولَـمَّا ذَكَر الله تعالى الطعام والشراب، ذَكَر بعده الفاكهة لِتَتِمّ النعمة والغِبْطَة.