حجم الخط:

الآيات (61-83)

الآية (61-68): ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ؛ وذلك أنه انتهى بهم السَّيْر إلى سِيْفِ البحر، وهو بحر القُلْزُمِ، فصار أمامهم البحر، وفرعون قد أَدْرَكَهم بجنوده، فلهذا قالوا: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١ قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ أي: لا يَصِلُ إليكم شيء ممَّا تحذرون؛ فإن الله سبحانه هو الذي أَمَرَني أن أسير ههنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد. وكان هارون عليه السلام في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، ومؤمن آل فرعون، وموسى عليه السلام في السَّاقَة.

وأوحى الله إلى موسى: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فضَرَبَه بها، ففيها سلطان الله الذي أعطاه، ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو الفَجّ بين الجبلين. وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سِبْطٍ طريق، وبَعَثَ الله الريح على قَعْر البحر فلَفْحَتْهُ، فصار يَبَسًا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ [طه:77]، وقال في هذه القصة: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ أي: هنالك ﴿ الْآخَرِينَ . قال ابن عباس وعطاء الخراساني وقتادة والسدي: ﴿ وَأَزْلَفْنَا أي: قَرَّبْنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم إليه ﴿ وَأَنْجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿٦٥ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يَهلِك منهم أحد، وأُغْرق فرعون وجنوده، فلم يَبْقَ منهم رجل إلا هَلَكَ. ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ تَقَدَّم تفسيره.

الآية (69-77): هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدًا أن يَتْلُوه على أمته ليَقتَدوا به في الإخلاص والتَّوَكُّل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتَّبَرِّي من الشرك وأهله؛ فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صِغَره إلى كِبَره، فإنه من وقت نَشَأ وشَبَّ أَنْكَر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل ، فـ﴿ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ؟ أي: ﱡﭐ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ؟! [الأنبياء:52].

﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ أي: مقيمين على عبادتها ودعائها. ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يُهرَعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فَلْتَخْلُص إليَّ بالمساءة؛ فإني عدوٌّ لها لا أُبَالِيها ولا أَفَكِّر فيها. وهذا كما قال تعالى مُخبرًا عن نوح عليه السلام: ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ [يونس:71]، وقال هود عليه السلام: ﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٥٤ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴿٥٥ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:54-56]. وهكذا تَبَرَّأ إبراهيم من آلهتهم، وقال: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [الأنعام:81]. وقال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26- 28] يعني: لا إله إلا الله.

الآية (78-82): يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أي: هو الخالق الذي قَدَّرَ قَدَرًا، وهَدَى الخلائق إليه، فكلٌّ يجري على ما قَدَّر، وهو الذي يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، ﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ أي: هو خالقي ورازقي، بما سَخَّر ويَسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزْنَ، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأَخرَج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زُلالًا ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49]. وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قَدَر الله وقضائه وخَلْقِه، ولكن أَضَافَه إلى نفسه أدبًا؛ كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] فأسند الإنعام إلى الله سبحانه وتعالى والغضب حُذِف فاعلُه أدبًا، وأَسنَد الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، وكذا قال إبراهيم: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ أي: إذا وَقَعْتُ في مَرَض فإنه لا يَقْدِر على شفائي أحدٌ غيرُه، بما يُقَدِّر من الأسباب الْـمُوَصِّلَةِ إليه.

﴿ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ أي: هو الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يُبْدِئُ وَيُعِيدُ.

﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ أي: هو الذي لا يَقْدِرُ على غَفْر الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ﱡﭐ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ؟! [آل عمران:135]. وهو الفعال لِـمَا يشاء.

الآية (83): وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يُؤْتِيَه رَبُّه حُكْمًا. قال ابن عباس: وهو العِلْم. وقال عكرمة: هو اللُّبُّ. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السُّدي: هو النبوة. قوله: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة؛ كما قال النبي عند الاحتضار: «اللهم الرفيقَ الأعلى» قالها ثلاثًا [متفق عليه].