حجم الخط:

الآيات (62-83)

الآية (62): ﴿ وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة -وهم المؤمنون- في زعمهم، قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟! قال مجاهد: هذا قول أبي جهل، يقول: ما لي لا أرى بلالًا وعمارًا وصهيبًا وفلانًا وفلانًا.

وهذا مثَلٌ ضُرب، وإلا فكل الكفار هذا حالهم؛ يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا: ﴿ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ .

الآية (63): قوله: ﴿ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أي: في الدنيا ﴿ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ يُسلّون أنفسهم بالمحال؛ يقولون: أو لعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم. فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات، وهو قوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ إلى قوله: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:44-49].

الآية (64): قوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد -من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض- لحقٌّ لا مرية فيه ولا شك.

الآية (65): يقول تعالى آمرًا رسوله أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله: إنما أنا منذر، لستُ كما تزعمون. ﴿ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ أي: هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه.

الآية (66): ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه.

﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ أي: غفار مع عزته وعظمته.

الآية (67-68): ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أي: خبر عظيم وشأن بليغ، وهو إرسال الله إياي إليكم. ﴿ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي: غافلون. قال مجاهد والسدي في قوله: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ يعني: القرآن.

الآية (69-70): قوله: ﴿ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ أي: لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟! يعني: في شأن آدم وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجَّته ربه في تفضيله عليه.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ قال: احتبس علينا رسول الله ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس. فخرج رسول الله سريعًا، فَثَوّب بالصلاة فصلى، وتَجَوّز في صلاته، فلما سلّم قال: «كما أنتم على مصافّكم». ثم أقبل إلينا فقال: «إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قُدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب -أعادها ثلاثًا- فرأيته وضع كفه بين كتفَيّ، حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجُمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سَلْ. قلت: اللهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك». وقال رسول الله : «إنها حق فادرسوها وتعلموها»، فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق. وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي وقال: «حسن صحيح» [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]. وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فُسر.

الآية (71-83): الاختصام الذي في القرآن هو قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ الآيات. هذه القصة ذكرها الله تعالى في سورة «البقرة» وفي أول «الأعراف» وفي سورة «الحجر» و«سبحان» و«الكهف»، وههنا؛ وهي أن الله سبحانه أعلمَ الملائكة قبل خلق آدم عليه السلام بأنه سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر: متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكرامًا وإعظامًا واحترامًا، وامتثالًا لأمر الله عز وجل. فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسًا؛ كان من الجن، فخانه طبعه وجبلّته أحوج ما كان إليه، فاستنكف عن السجود لآدم، وخاصم ربه عز وجل فيه، وادّعى أنه خير من آدم؛ فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين، في زعمه. وقد أخطأ في ذلك، وخالف أمر الله، وكفر بذلك، فأبعده الله وأرغم أنفه، وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قُدسه، وسماه «إبليس» إعلامًا له بأنه قد أبْلَس من الرحمة، وأنزله من السماء مذمومًا مدحورًا إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يَعْجَل على من عصاه.

فلما أمِن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى، وقال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ كما قال: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62]، وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:65].