الآية (63): قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان، ﴿ وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿ غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ أي: خسارة.
الآية (64-68): تقدم الكلام عليها في سورة «الأعراف»[1].
الآية (69): يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا ﴾ وهم الملائكة ﴿ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ ﴾ قيل: تُبشّره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط. ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [هود:74]. ﴿ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ﴾ أي: عليكم. ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ أي: ذهب سريعًا، فأتاهم بالضيافة، وهو عجل: فتى البقر، حَنِيذ: مَشْويّ على الرّضْف، وهي الحجارة المُحْمَاة. هذا معنى ما رُوي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾ [الذاريات:26-27]. وقد تضمَّنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة.
الآية (70-71): وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ تَنَكرهم ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ وذلك أن الملائكة لا همّة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه؛ فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكُلّية، فعند ذلك ﴿ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾.
وقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿ قَالُوا لَا تَخَفْ ﴾ أي: قالوا: لا تخَفْ منا، ﴿ إِنَّا ﴾ ملائكة ﴿ أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ لِنُهلكهم. فضحكت سارة استبشارًا بهلاكهم؛ لكثرة فسادهم، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس.
قال ابن عباس: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ أي: حاضت. ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل؛ فإن يعقوب ولد إسحاق؛ كما قال في آية البقرة: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة:133]. ومن ههنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خُلْفَ فيه؟! فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعيَّن أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصَحِّهِ وأَبْيَنِهِ، ولله الحمد.