حجم الخط:

الآيات (63-73)

الآية (63-65): يقول تعالى مخبرًا لرسوله : أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك. وأرشده أن يرد علمها إلى الله عز وجل ، لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ، كما قال: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]. ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ أي: أبعدهم من رحمته ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا أي: في الدار الآخرة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ﴿ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.

الآية (66): ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا أي: يسحبون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿٢٧ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29]. وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يَوَدون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا.

الآية (67-68): ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا وأنهم على شيء، فإذا هم ليسوا على شيء ﴿ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا ﴿ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا قرأ بعض القراء بالباء الموحدة. وقرأ آخرون بالثاء المثلثة، وهما قريبا المعنى، كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فَحَسَن، وليس له الجمع بينهما.

الآية (69): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «إن موسى عليه السلام كان رجلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص وإما أدرة وإما آفة، وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلمَّا فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَر، ثوبي حَجَر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عُريانًا أحسن ما خلق الله عز وجل ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبَه فلبسه، وطَفقَ بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدَبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا » هذا الحديث من أفراد البخاري. قوله: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا أي: له وجاهة وجاه عند ربه عز وجل. قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله. وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه. ولكن منع الرؤية لما يشاء الله عز وجل. وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤاله، وقال: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [مريم:53].

الآية (70-71): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا ﴿ قَوْلًا سَدِيدًا أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها. ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا وذلك أنه يجار نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم. قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله. وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.

الآية (72): عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة التي عرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمَّلها، فذلك قوله: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا . وقال ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا يعني: غرًا بأمر الله. وقال ابن عباس: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غَفَرت لك، وإن عَصَيت عذبتك. قال: قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض. وقال آخرون: هي الطاعة. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة: الدين والفرائض والحدود. وقال بعضهم: الغسل من الجنابة. وقال زيد بن أسلم: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة. وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله.

الآية (73): ﴿ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات؛ وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله، ويبطنون الكفر متابعة لأهله. ﴿ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله عز وجل ، ومخالفة رسله. ﴿ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أي: وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، العاملين بطاعته ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا .