حجم الخط:

الآيات (64-69)

الآية (64): يقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ أي: الحياة الدائمة الحق [التي] لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد، ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى.

الآية (65-66): أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلَّا يكون هذا منهم دائمًا ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [الإسراء:67]، وقال ههنا: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ . قوله: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا هذه اللام لام العاقبة؛ لأنهم لا يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل.

الآية (67-69): يقول تعالى ممتنًا على قريش فيما أحلهم مِن حَرَمِهِ، الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا ويقتل بعضهم بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إلى آخر السورة [قريش:1 - 4]. ﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه الأصنام والأنداد، و﴿ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28]، وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله؟! فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا يشـركوا به، وتصديقَ الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين أظهُرِهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم. ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أي: لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله فقال إن الله أوحى إليه، ﱡﭐ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام:93]. وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذّب بالحق لـمَّا جاءه، فالأول مُفتَرٍ، والثاني مُكذّب؛ ولهذا قال: ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ . ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا يعني: الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، ﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا أي: لنُبَصِّرنَّهم سبلنا، أي: طرقنا في الدنيا والآخرة، قال عباس الهمداني أبو أحمد -من أهل عكا- في قول الله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون.